فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 3341

{ أولئك على هُدًى } الجملة في محل الرفع إن كان الذين يؤمنون بالغيب مبتدأ؛ وإلا فلا محلّ لها . ونظم الكلام على الوجهين: أنك إذا نويت الابتداء بالذين يؤمنون بالغيب . فقد ذهبت به مذهب الاستئناف . وذلك أنه لما قيل: { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } واختصّ المتقون بأنّ الكتاب لهم هدى ، اتجه لسائل أن يسأل فيقول: ما بال المتقين مخصوصين بذلك؟ فوقع قوله: { الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب } إلى ساقته كأنه جواب لهذا السؤال المقدّر . وجيء بصفة المتقين المنطوية تحتها خصائصهم التي استوجبوا بها من الله أن يلطف بهم ، ويفعل بهم ما لا يفعل بمن ليسوا على صفتهم ، أي الذين هؤلاء عقائدهم وأعمالهم ، أحقاء بأن يهديهم الله ويعطيهم الفلاح . ونظيره قولك: أحبّ رسول الله A الأنصار الذين قارعوا دونه ، وكشفوا الكرب عن وجهه ، أولئك أهل للمحبة . وإن جعلته تابعًا للمتقين ، وقع الاستئناف على أولئك؛ كأنه قيل: ما للمستقلين بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى؟ فأجيب بأنّ أولئك الموصوفين ، غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلًا ، وبالفلاح آجلًا . واعلم أنّ هذا النوع من الاستئناف يجيء تارة بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث ، كقولك: قد أحسنت إلى زيد ، زيد حقيق بالإحسان . وتارة بإعادة صفته ، كقولك: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك؛ فيكون الاستئناف بإعادة الصفة أحسن وأبلغ ، لانطوائها على بيان الموجب وتلخيصه . فإن قلت: هل يجوز أن يجري الموصول الأوّل على المتقين ، وأن يرتفع الثاني على الابتداء وأولئك خبره؟ قلت: نعم على أن يجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضًا بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوّة رسول الله A ، وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند الله . وفي اسم الإشارة الذي هو { أولئك } إيذان بأنّ ما يرد عقيبه فالمذكورون قبله أهل لاكتسابه من أجل الخصال التي عدّدت لهم ، كما قال حاتم: ولله صعلوك ثم عدّد له خصالًا فاضلة ، ثم عقب تعديدها بقوله:

فَذَلِكَ إنْ يَهْلِكْ فحَسْبي ثَنَاؤُهُ ... وَإنْ عاشَ لَمْ يَقْعُدْ ضَعِيفًا مُذَمَّمَا

ومعنى الاستعلاء في قوله ( على هدى ) مثل لتمكنهم من الهدى ، واستقرارهم عليه ، وتمسكهم به . شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه . ونحوه: هو على الحق وعلى الباطل . وقد صرّحوا بذلك في قولهم: جعل الغواية مركبًا ، وامتطى الجهل واقتعد غارب الهوى .

ومعنى { هُدًى مّن رَّبّهِمْ } أي منحوه من عنده وأوتوه من قبله ، وهو اللطف والتوفيق الذي اعتضدوا به على أعمال الخير ، والترقي إلى الأفضل فالأفضل . ونكر { هُدًى } ليفيد ضربًا مبهمًا لا يبلغ كنهه ، ولا يقادر قدره؛ كأنه قيل: على أي هدى ، كما تقول: لو أبصرت فلانًا لأبصرت رجلًا . وقال الهذلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت