فهرس الكتاب

الصفحة 2109 من 3341

أمره بالتوكل على الله وقلة المبالاة بأعداء الدين ، وعلل التوكل بأنه على الحق الأبلج الذي لا يتعلق به الشكّ والظنّ . وفيه بيان أنّ صاحب الحق حقيق بالوثوق بصنع الله وبنصرته ، وأن مثله لا يخذل . فإن قلت: { إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى } يشبه أن يكون تعليلًا آخر للتوكل ، فما وجه ذلك؟ قلت: وجهه أن الأمر بالتوكل جعل مسببًا عما كان يغيظ رسول الله A من جهة المشركين وأهل الكتاب: من ترك اتباعه وتشييع ذلك بالأذى والعداوة ، فلاءم ذلك أن يعلل توكل متوكل مثله ، بأن اتباعهم أمر قد يئس منه ، فلم يبق إلا الاستنصار عليهم لعداوتهم واستكفاء شرورهم وأذاهم ، وشبهوا بالموتى وهم أحياء صحاح الحواس ، لأنهم إذا سمعوا ما يتلى عليهم من آيات الله - فكانوا أقماع القول لا تعيه آذانهم وكان سماعهم كلا سماع -: كانت حالهم - لانتفاء جدوى السماع - كحال الموتى الذين فقدوا مصحح السماع؛ وكذلك تشبيههم بالصمّ الذين ينعق بهم فلا يسمعون . وشبهوا بالعمى حيث يضلون الطريق ولا يقدر أحد أن ينزع ذلك عنهم ، وأن يجعلهم هداة بصراء إلا الله D . فإن قلت: ما معنى قوله: { إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ } ؟ قلت: هو تأكيد لحال الأصم ، لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن يولي عنه مدبرًا كان أبعد عن إدراك صوته . وقرىء: «ولا يسمع الصمّ» «وما أنت بهاد العمى» ، على الأصل . وتهدي العمى . وعن ابن مسعود: «وما أن تهدي العمى» ، وهداه عن الضلال . كقولك: سقاه عن العيمة أي: أبعده عنها بالسقي ، وأبعده عن الضلال بالهدى { إِن تُسْمِعُ } أي ما يجدي إسماعك إلا على الذين علم الله أنهم يؤمنون بآياته ، أي: يصدقون بها { فَهُم مُّسْلِمُونَ } أي مخلصون من قوله: { بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } [ البقرة: 112 ] يعني: جعله سالمًا لله خالصًا له .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت