فهرس الكتاب

الصفحة 1090 من 3341

نداؤه ربه: دعاؤه له ، وهو قوله: { رَبّ } مع ما بعده من اقتضاء وعده في تنجية أهله . فإن قلت: فإذا كان النداء هو قوله: «رب» فكيف عطف «قال رب» على «نادى» بالفاء؟ قلت: أريد بالنداء إرادة النداء ، ولو أريد النداء نفسه لجاء ، كما جاء قوله: { إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا قَالَ رَبّ } [ مريم: 3 ] بغير فاء { إِنَّ ابنى مِنْ أَهْلِى } أي بعض أهلي ، لأنه كان ابنه من صلبه ، أو كان ريبيًا له فهو بعض أهله { وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق } وأن كل وعد تعده فهو الحق الثابت الذي لا شك في إنجازه والوفاء به ، وقد وعدتني أن تنجي أهلي ، فما بال ولدي؟ { وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين } أي أعلم الحكام وأعدلهم؛ لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل . ورب غريق في الجهل والجور من متقلدي الحكومة في زمانك قد لقب أقضى القضاة ، ومعناه أحكم الحاكمين فاعتبر واستعبر ويجوز أن يكون من الحكمة على أن يبني من الحكمة حاكم بمعنى النسبة كما قيل دارع من الدرع ، وحائض وطالق على مذهب الخليل { إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح } تعليل لانتفاء كونه من أهله . وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب ، وأنّ نسيبك في دينك ومعتقدك من الأباعد في المنصب وإن كان حبشيًا وكنت قرشيًا لصيقك وخصيصك . ومن لم يكن على دينك - وإن كان أمس أقاربك رحمًا - فهو أبعد بعيد منك ، وجعلت ذاته عملًا غير صالح ، مبالغة في ذمّه ، كقولها:

فَإنَّمَا هي إقْبَالٌ وَإدْبَارُ ... وقيل: الضمير لنداء نوح ، أي: إنّ نداءك هذا عمل غير صالح وليس بذاك - فإن قلت: فهلا قيل: إنه عمل فاسد؟ قلت: لما نفاه عن أهله ، نفى عنه صفتهم بكلمة النفي التي يستبقي معها لفظ المنفي ، وآذن بذلك أنه إنما أنجى من أنجى من أهله لصلاحهم ، لا لأنهم أهلك وأقاربك . وإنّ هذا لما انتفى عنه الصلاح لم تنفعه أبوّتك ، كقوله: { كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صالحين فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِينَا عَنْهُمَا مِنَ الله شَيْئًا } [ التحريم: 10 ] وقرىء: «عمل غير صالح» أي عمل عملا غير صالح . وقرىء: «فلا تسئلنّ» بكسر النون بغير ياء الإضافة وبالنون الثقيلة بياء وبغير ياء ، يعني فلا تلتمس مني ملتمسًا أو التماسًا لا تعلم أصواب هو أم غير صواب ، حتى تقف على كنهه . وذكر المسألة دليل على أنّ النداء كان قبل أن يغرق حين خاف عليه . فإن قلت: لم سمي نداؤه سؤالًا ولا سؤال فيه؟ قلت: قد تضمن دعاؤه معنى السؤال وإن لم يصرح به ، لأنه إذا ذكر الموعد بنجاة أهله في وقت مشارفة ولده الغرق فقد استنجز . وجعل سؤال ما لا يعرف كنهه جهلًا وغباوة ، ووعظه أن لا يعود إليه وإلى أمثاله من أفعال الجاهلين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت