فهرس الكتاب

الصفحة 491 من 3341

{ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله A أن ينزل عليهم كتابًا من السماء . واحتجاج عليهم بأنّ شأنه في الوحي إليه كشأن سائر الأنبياء الذين سلفوا . وقرىء «زبورًا» بضم الزاي جمع زبر وهو الكتاب { وَرُسُلًا } نصب بمضمر في معنى: أوحينا إليك وهو: أرسلنا ، ونبأنا ، وما أشبه ذلك . أو بما فسره قصصناهم . وفي قراءة أبيّ: «ورسل قد قصصناهم عليك من قبل ورسل لم نقصصهم» . وعن إبراهيم ويحيى بن وثاب: أنهما قرآ { وَكَلَّمَ الله } بالنصب . ومن بدع التفاسير أنه من الكَلْم ، وأن معناه وجرّح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن { رُّسُلًا مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } الأوجه أن ينتصب على المدح . ويجوز انتصابه على التكرير . فإن قلت: كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل ، وهم محجوجون بما نصبه الله من الأدلة التي النظر فيها موصل إلى المعرفة ، والرسل في أنفسهم لم يتوصلوا إلى المعرفة إلا بالنظر في تلك الأدلة ، ولا عرف أنهم رسل الله إلا بالنظر فيها؟ قلت: الرسل منبهون عن الغفلة ، وباعثون على النظر ، كما ترى علماء أهل العدل والتوحيد مع تبليغ ما حملوه من تفضيل أمور الدين وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع ، فكان إرسالهم إزاحة للعلة وتتميمًا لإلزام الحجة ، لئلا يقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولًا فيوقظنا من سنة الغفلة وينبهنا لما وجب الانتباه له . وقرأ السلمي: لكنّ الله يشهد ، بالتشديد . فإن قلت: الاستدراك لا بدّ له من مستدرك فما هو قوله: { لكن الله يَشْهَدُ } ؟ قلت: لما سأل أهل الكتاب إنزال الكتاب من السماء وتعنتوا بذلك واحتج عليهم بقوله: { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } قال: لكن الله يشهد ، بمعنى أنهم لا يشهدون لكن الله يشهد . وقيل: لما نزل { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } قالوا: ما نشهد لك بهذا ، فنزل { لكن الله يَشْهَدُ } ومعنى شهادة الله بما أنزل إليه: إثباته لصحته بإظهار المعجزات ، كما تثبت الدعاوى بالبينات . وشهادة الملائكة: شهادتهم بأنه حق وصدق . فإن قلت: بم يجابون لو قالوا: بم يعلم أن الملائكة يشهدون بذلك؟ قلت: يجابون بأنه يعلم بشهادة الله ، لأنه لما علم بإظهار المعجزات أنه شاهد بصحته علم أن الملائكة يشهدون بصحة ما شهد بصحته؛ لأنّ شهادتهم تبع لشهادته . فإن قلت: ما معنى قوله: { أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } وما موقعه من الجملة التي قبله؟ قلت: معناه أنزله ملتبسًا بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره ، وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان ، وموقعه مما قبله موقع الجملة المفسرة لأنه بيان للشهادة ، وأن شهادته بصحته أنه أنزله بالنظم المعجز الفائت للقدرة . وقيل أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه . وقيل: أنزله مما علم من مصالح العباد مشتملًا عليه . ويحتمل: أنه أنزل وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشياطين برصد من الملائكة ، والملائكة يشهدون بذلك ، كما قال في آخر سورة الجنّ . ألا ترى إلى قوله تعالى: { وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ } [ الجن: 8 ] والإحاطة بمعنى العلم { وكفى بالله شَهِيدًا } وإن لم يشهد غيره ، لأنّ التصديق بالمعجزة هو الشهادة حقًا { قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله } [ الأنعام: 19 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت