معنى تلقي الكلمات استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها . وقرىء بنصب آدم ورفع الكلمات؛ على أنها استقبلته بأن بلغته واتصلت به . فإن قلت: ما هنّ؟ قلت: قوله تعالى: { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا . . . } الآيه [ الأعراف: 23 ] . وعن ابن مسعود Bه: «إن أحب الكلام إلى الله ما قاله أبونا آدم حين اقترف الخطيئة: سبحانك اللَّهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك ، لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» . وعن ابن عباس Bهما قال: «يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى . قال: يا رب ألم تنفخ فيّ الروح من روحك؟ قال: بلى . قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى . قال: ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى . قال: يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم» ، واكتفى بذكر توبة آدم دون توبة حواء ، لأنها كانت تبعًا له ، كما طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك . وقد ذكرها في قوله: { قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } [ الاعراف: 23 ] . { فَتَابَ عَلَيْهِ } فرجع عليه بالرحمة والقبول . فإن قلت: لم كرر: { قُلْنَا اهبطوا } ؟ قلت: للتأكيد ولما نيط به من زيادة قوله: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى } . فإن قلت: ما جواب الشرط الأول؟ قلت: الشرط الثاني مع جوابه كقولك: إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك . والمعنى: فإما يأتينكم مني هدى برسول أبعثه إليكم وكتاب أنزله عليكم؛ بدليل قوله: { والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا } في مقابلة قوله: { فَمَن تَبِعَ هُدَايَ } فإن قلت: فلم جيء بكلمة الشك وإتيان الهدى كائن لا محالة لوجوبه؟ قلت: للإيذان بأنّ الإيمان بالله والتوحيد لا يشترط فيه بعثة الرسل وإنزال الكتب . وأنه إن لم يبعث رسولًا ولم ينزل كتابًا ، كان الإيمان به وتوحيده واجبًا؛ لما ركب فيهم من العقول ونصب لهم من الأدلة ومكنهم من النظر والاستدلال . فإن قلت: الخطيئة التي أهبط بها آدم إن كانت كبيرة فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء ، وإن كانت صغيرة ، فلم جرى عليه ما جرى بسببها من نزع اللباس والإخراج من الجنة والإهباط من السماء كما فعل بإبليس ونسبته إلى الغيّ والعصيان ونسيان العهد وعدم العزيمة والحاجة إلى التوبة؟ قلت: ما كانت إلا صغيرة مغمورة بأعمال قلبه من الإخلاص والأفكار الصالحة التي هي أجل الأعمال وأعظم الطاعات . وإنما جرى عليه ما جرى ، تعظيمًا للخطيئة وتفظيعًا لشأنها وتهويلًا ، ليكون ذلك لطفًا له ولذريّته في اجتناب الخطايا واتقاء المآثم ، والتنبيه على أنه أخرج من الجنة بخطيئة واحدة ، فكيف يدخلها ذو خطايا جمة . وقرىء: «فمن تبع هُدَيَّ» على لغة هذيل ، «فلا خوف» بالفتح .