فهرس الكتاب

الصفحة 2985 من 3341

{ المآء الذى تَشْرَبُونَ } يريد: الماء العذب الصالح للشرب . و { المزن } السحاب: الواحدة مزنة . وقيل: هو السحاب الأبيض خاصة ، وهو أعذب ماء { أُجَاجًا } ملحًا زعاقًا لا يقدر على شربه . فإن قلت: لم أدخلت اللام على جواب ( لو ) في قوله: { لَجَعَلْنَاهُ حطاما } [ الواقعة: 65 ] ونزعت منه ههنا؟ قلت: إنّ «لو» لما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعلق الجزاء بالشرط ، ولم تكن مخلصة للشرط كإن ولا عاملة مثلها ، وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقًا من حيث إفادتها في مضموني جملتيها أنّ الثاني امتنع لامتناع الأوّل افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علمًا على هذا التعلق ، فزيدت هذه اللام لتكون علمًا على ذلك ، فإذا حذفت بعد ما صارت علمًا مشهورًا مكانه ، فلأن الشيء إذا علم وشهر موقعه وصار مألوفًا ومأنوسًا به: لم يبال بإسقاطه عن اللفظ ، استغناء بمعرفة السامع . ألا ترى إلى ما يحكى عن رؤبة أنه كان يقول: خير ، لمن قال له: كيف أصبحت؟ فحذف الجار لعلم كل أحد بمكانه . وتساوي حالي حذفه وإثباته لشهرة أمره . وناهيك بقول أوس:

حَتى إذَا الْكلاَّبُ قَالَ لَهَا ... كَالْيَوْمِ مَطْلُوبًا وَلاَ طَلَبَا

وحذفه «لم أر» فإذن حذفها اختصار لفظي وهي ثابتة في المعنى ، فاستوى الموضعان بلا فرق بينهما؛ على أن تقدم ذكرها والمسافة قصيرة مغن عن ذكرها ثانية ونائب عنه . ويجوز أن يقال: إنّ هذه اللام مفيدة معنى التوكيد لا محالة ، فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب ، للدلالة على أن أمر المطعوم مقدّم على أمر المشروب ، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب ، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعًا للمطعوم . ألا ترى أنك إنما تسقى ضيفك بعد أن تطعمه ، ولو عكست قعدت تحت قول أبي العلاء:

إذَا سُقِيَتْ ضُيُوفُ النَّاسِ مَحْضًا ... سَقَوْا أَضْيَافَهُمْ شَبَمًا زَلاَلاَ

وسقى بعض العرب فقال: أنا لا أشرب إلا على ثميلة؛ ولهذا قدّمت آية المطعوم على آية المشروب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت