قرىء «أحى» وأصله وحي؛ يقال: أوحي إليه ووحى إليه ، فقلبت الواو همزة ، كما يقال: أعد وأزن { وَإِذَا الرسل أُقّتَتْ } [ المرسلات: 11 ] ، وهو من القلب المطلق جوازه في كل واو مضمومة؛ وقد أطلقه المازني في المكسورة أيضًا كإشاح وإسادة ، وإعاء أخيه ، وقرأ ابن أبي عبلة «وحى» على الأصل { أَنَّهُ استمع } بالفتح ، لأنه فاعل أوحى . وإنا سمعنا: بالكسر؛ لأنه مبتدأ محكي بعد القول ، ثم تحمل عليهما البواقي ، فما كان من الوحي فتح ، وما كان من قول الجنّ كسر: وكلهن من قولهم إلا الثنتين الأخريين { وَأَنَّ المساجد } [ الجن: 18 ] ، { وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ } [ الجن: 19 ] ، ومن فتح كلهنّ فعطفًاعلى محل الجار والمجرور في آمنا به ، كأنه قيل: صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا ، وأنه كان يقول سفيهنا ، وكذلك البواقي { نَفَرٌ مِّنَ الجن } جماعة منهم ما بين الثلاثة إلى العشرة . وقيل: كانوا من الشيصبان ، وهم أكثر الجنّ عددًا وعامة جنود إبليس منهم { فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا } أي: قالوا لقومهم حين رجعوا إليهم ، كقوله: { فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ( 29 ) قَالُواْ ياقومنآ إِنَّا سَمِعْنَا كتابا } [ الأحقاف: 29 30 ] ، { عَجَبًا } بديعًا مباينا لسائر الكتب في حسن نظمه وصحة معانيه ، قائمة فيه دلائل الإعجاز . وعجب مصدر يوضع موضع العجيب . وفيه مبالغة: وهو ما خرج عن حد أشكاله ونظائره { يهدى إِلَى الرشد } يدعو إلى الصواب . وقيل: إلى التوحيد والإيمان . والضمير في { بِهِ } للقرآن؛ ولما كان الإيمان به إيمانًا بالله وبوحدانيته وبراءة من الشرك: قالوا: { وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا } أي: ولن نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك به في طاعة الشيطان . ويجوز أن يكون الضمير لله D؛ لأنّ قوله: { بِرَبِّنَا } يفسره { جَدُّ رَبِّنَا } عظمته من قولك: جدّ فلان في عيني ، أي: عظم . وفي حديث عمر رضي اللَّه عنه: كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا . وروي في أعيننا . أو ملكه وسلطانه أو غناه ، استعارة من الجد الذي هو الدولة والبخت؛ لأن الملوك والأغنياء هم المجدودون والمعنى: وصفه بالتعالي عن الصاحبة والولد لعظمته . أو لسلطانه وملكوته أو لغناه . وقوله: { مَا اتخذ صاحبة وَلاَ وَلَدًا } بيان لذلك . وقرىء «جدّا ربنا» على التمييز و «جدّ ربنا» بالكسر ، أي: صدق ربوبيته وحق إلهيته عن اتخاذ الصاحبة والولد ، وذلك أنهم لما سمعوا القرآن ووفقوا للتوحيد والإيمان ، تنبهوا على الخطأ فيما اعتقده كفرة الجنّ من تشبيه الله بخلقه واتخاذه صاحبة وولدًا ، فاستعظموه ونزهوه عنه . سفيههم: إبليس لعنه الله أو غيره من مردة الجن . والشطط: مجاوزة الحدّ في الظلم وغيره . ومنه: أشط في السوم ، إذا أبعد فيه ، أي: يقول قولا هو في نفسه شطط؛ لفرط ما أشطَّ فيه ، وهو نسبة الصاحبة والولد إلى الله ، وكان في ظننا أنّ أحدًا من الثقلين لن يكذب على الله ولن يفتري عليه ما ليس بحق ، فكنا نصدّقهم فيم أضافوا إليه من ذلك ، حتى تبين لنا بالقرآن كذبهم وافتراؤهم { كَذِبًا } قولًا كذبًا ، أي: مكذوبًا فيه . أو نصب نصب المصدر لأنّ الكذب نوع من القول . ومن قرأ «أن لن تقوّل» وضع كذبًا موضع تقوّلا ، ولم يجعله صفة؛ لأنّ التقوّل لا يكون إلا كذبًا .