فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 3341

«وإذا قيل لهم» معطوف على يكذبون . ويجوز أن يعطف على ( يقول آمنا ) لأنك لو قلت: ومن الناس من إذا قيل لهم لا تفسدوا ، كان صحيحًا ، والأوّل أوجه .

والفساد: خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعًا به ، ونقيضه؛ الصلاح ، وهو الحصول على الحال المستقيمة النافعة . والفساد في الأرض: هيج الحروب والفتن ، لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية . قال الله تعالى: { وَإِذَا تولى سعى فِى الارض لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل } [ البقرة: 205 ] { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء } [ البقرة: 30 ] . ومنه قيل لحرب كانت بين طيء: حرب الفساد . وكان فساد المنافقين في الأرض . أنهم كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم عليهم ، وذلك مما يؤدّي إلى هيج الفتن بينهم ، فلما كان ذلك من صنيعهم مؤديًا إلى الفساد قيل لهم: { لا تفسدوا } ، كما تقول للرجل: لا تقتل نفسك بيدك ، ولا تلق نفسك في النار ، إذا أقدم على ما هذه عاقبته . و { إِنَّمَا } لقصر الحكم على شيء ، كقولك: إنما ينطق زيد ، أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنما زيد كاتب . ومعنى { إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجوه الفساد . و { ألآ } مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي ، لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها ، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقًا كقوله: { أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر } [ القيامة: 40 ] ؟ ولكونها في هذا المنصب من التحقيق ، لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدّرة بنحو ما يتلقى به القسم . وأختها التي هي «أما» من مقدّمات اليمين وطلائعها:

أَمَا والَّذِي لا يَعْلَمُ الغَيْبَ غيْرُهُ ... أَمَا والَّذِي أَبْكَى وأَضحَكَ

ردّ الله ما ادعوه من الانتظام في جملة المصلحين أبلغ ردّ وأدله على سخط عظيم ، والمبالغة فيه من جهة الاستئناف وما في كلتا الكلمتين ألا . وإن من التأكيدين وتعريف الخبر وتوسيط الفصل . وقوله: { لاَّ يَشْعُرُونَ } أتوهم في النصيحة من وجهين: أحدهما تقبيح ما كانوا عليه لبعده من الصواب وجرّه إلى الفساد والفتنة . والثاني: تبصيرهم الطريق الأسد من أتباع ذوي الأحلام ، ودخولهم في عدادهم؛ فكان من جوابهم أن سفهوهم لفرط سفههم ، وجهلوهم لتمادي جهلهم . وفي ذلك تسلية للعالم مما يلقى من الجهلة . فإن قلت: كيف صح أن يسند «قيل» إلى «لا تفسدوا ، وآمنوا» وإسناد الفعل إلى الفعل مما لا يصح؟ قلت: الذي لا يصح هو إسناد الفعل إلى معنى الفعل ، وهذا إسناد له إلى لفظه ، كأنه قيل: وإذا قيل لهم هذا القول وهذا الكلام . فهو نحو قولك: «ألف» ضرب من ثلاثة أحرف . ومنه: «زعموا مطية الكذب» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت