فهرس الكتاب

الصفحة 623 من 3341

ذكر غير المتقين من المسلمين وأمر بإنذارهم ليتقوا ، ثم أردفهم ذكر المتقين منهم وأمره بتقريبهم وإكرامهم ، وأن لا يطيع فيهم من أراد بهم خلاف ذلك ، وأثنى عليهم بأنهم يواصلون دعاء ربهم أي عبادته ويواظبون عليها ، والمراد بذكر الغداة والعشي: الدوام . وقيل معناه: يصلون صلاة الصبح والعصر ، ووسمهم بالإخلاص في عبادتهم بقوله: { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } والوجه يعبر به عن ذات الشيء وحقيقته . روي:

( 376 ) أن رؤوسًا من المشركين قالوا لرسول الله A: لو طردت عنا هؤلاء الأعبد يعنون فقراء المسلمين ، وهم عمار وصهيب وبلال وخباب وسلمان وأضرابهم رضوان الله عليهم - وأرواح جبابهم - وكانت عليهم جباب من صوف جلسنا إليك وحادثناك ، فقال E: ما أنا بطارد المؤمنين . فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا ، فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت . فقال: نعم ، طمعًا في إيمانهم . وروي: أن عمر Bه قال: لو فعلت حتى ننظر إلى ما يصيرون . قال فاكتب بذلك كتابًا ، فدعا بصحيفة وبعليّ Bه ليكتب . فنزلت . فرمى بالصحيفة ، واعتذر عمر من مقالته .

( 377 ) قال سلمان وخباب: فينا نزلت فكان رسول الله A يقعد معنا ويدنو منا حتى تمس ركبتنا ركبته . وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت: { واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم } فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمّتي . معكم المحيا ومعكم الممات و { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } كقوله: { إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ على رَبّى } [ الشعراء: 113 ] وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم ، فقال: { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } بعد شهادته لهم بالإخلاص وبإرادة وجه الله في أعمالهم على معنى: وإن كان الأمر على ما يقولون عند الله ، فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر والاتسام بسيمة المتقين وإن كان لهم باطن غير مرضي فحسابهم عليهم لازم لهم لا يتعدّاهم إليك ، كما أن حسابك عليك لا يتعدّاك إليهم ، كقوله: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } [ الزمر: 7 ] . فإن قلت: أما كفى قوله: { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } حتى ضم إليه { وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَىْء } ؟ قلت: قد جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة ، وقصد بهما مؤدى واحد وهو المعنيّ في قوله: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } [ الزمر: 7 ] ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعًا ، كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه . وقيل: الضمير للمشركين . والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك ولا أنت بحسابهم ، حتى يهمك إيمانهم ويحرّك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين { فَتَطْرُدَهُمْ } جواب النفي { فَتَكُونَ مِنَ الظالمين } جواب النهي . ويجوز أن يكون عطفًا على { فَتَطْرُدَهُمْ } على وجه التسبيب ، لأن كونه ظالمًا مسبب عن طردهم . وقرىء: «بالغدوة والعشي» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت