فهرس الكتاب

الصفحة 2558 من 3341

عن ابن مسعود Bه: أنّ أصحاب رسول الله A ملوا ملة ، فقالوا له: حدثنا فنزلت ، وإيقاع اسم الله مبتدأ وبناء { نَزَّلَ } عليه: فيه تفخيم لأحسن الحديث ، ورفع منه ، واستشهاد على حسنه ، وتأكيد لاستناده إلى الله وأنه من عنده ، وأن مثله لا يجوز أن يصدر إلاّ عنه ، وتنبيه على أنه وحي معجز مباين لسائر الأحاديث . و { كتابا } بدل من أحسن الحديث . ويحتمل أن يكون حالًا منه { متشابها } مطلق في مشابهة بعضه بعضًا ، فكان متناولًا لتشابه معانيه في الصحة والإحكام ، والبناء على الحق والصدق ومنفعة الخلق ، وتناسب ألفاظه وتناصفها في التخير والإصابة ، وتجاوب نظمه وتأليفه في الإعجاز والتبكيت ، ويجوز أن يكون { مَّثَانِيَ } بيانًا لكونه متشابهًا؛ لأن القصص المكررة لا تكون إلاّ متشابهة . والمثاني: جمع مثنى بمعنى مردّد مكرّر ، ولما ثنى من قصصه وأنبائه ، وأحكامه ، وأوامره ونواهيه ، ووعده ووعيده ، ومواعظه . وقيل: لأنه يثنى في التلاوة ، فلا يمل كما جاء في وصفه لا يتفه ولا يتشان ولا يخلق على كثرة الرّد . ويجوز أن يكون جمع مثنى مفعل ، من التثنية بمعنى التكرير ، والإعادة كما كان قوله تعالى: { ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْن } [ الملك: 4 ] بمعنى كرّة بعد كرّة ، وكذلك: لبيك و سعديك ، وحنانيك . فإن قلت: كيف وصف الواحد بالجمع؟ قلت: إنما صحّ ذلك لأنّ الكتاب جملة ذات تفاصيل ، وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير ، ألا تراك تقول: القرآن أسباع وأخماس ، وسور وآيات ، وكذلك تقول: أقاصيص وأحكام ومواعظ مكررات ، ونظيره قولك: الإنسان عظام وعروق وأعصاب ، ألا أنك تركت الموصوف إلى الصفة؛ وأصله: كتابًا متشابهًا فصولًا مثاني . ويجوز أن يكون كقولك: برمة أعشار ، وثوب أخلاق . ويجوز أن لا يكون مثاني صفة ، ويكون منتصبًا على التمييز من متشابهًا ، كما تقول: رأيت رجلًا حسنًا شمائل ، والمعنى: متشابهة مثانية . فإن قلت: ما فائدة التثنية والتكرير؟ قلت: النفوس أنفر شيء من حديث الوعظ والنصيحة ، فما لم يكرر عليها عودًا عن بدء ، لم يرسخ فيها ولم يعمل عمله ، ومن ثم كانت عادة رسول الله A أن يكرر عليهم ما كان يعظ به وينصح ثلاث مرات وسبعًا ليركزه في قلوبهم ويغرسه في صدورهم . اقشعر الجلد: إذا تقبّض تقبضًا شديدًا ، وتركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس ، مضمومًا إليها حرف رابع وهو الراء ، ليكون رباعيًا ودالًا على معنى زائد . يقال: اقشعر جلده من الخوف وقف شعره ، وهو مثل في شدّة الخوف ، فيجوز أن يريد به الله سبحانه التمثيل ، تصويرًا لإفراط خشيتهم ، وأن يريد التحقيق . والمعنى: أنهم إذا سمعوا بالقرآن وبآيات وعيده: أصابتهم خشية تقشعر منها جلودهم ، ثم إذا ذكروا الله ورحمته وجوده بالمغفرة: لانت جلودهم وقلوبهم وزال عنها ما كان بها من الخشية والقشعريرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت