فهرس الكتاب

الصفحة 3247 من 3341

فإن قلت: ما معنى قوله: { مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم } وكيف طابق الوصف بالكرم إنكار الاغترار به ، وإنما يغتر بالكريم ، كما يروى عن عليّ رضي اللَّه عنه أنه صاح بغلام له كرّات فلم يلبه ، فنظر فإذا هو بالباب ، فقال له: ما لك لم تجبني؟ قال: لثقتي بحلمك وأمني من عقوبتك ، فاستحسن جوابه وأعتقه ، وقالوا: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه . قلت معناه أنّ حق الإنسان أن لا يغترّ بتكرم الله عليه ، حيث خلقه حيًا لينفعه ، وبتفضله عليه بذلك حتى يطمع بعدما مكنه وكلفه فعصى وكفر النعمة المتفضل بها أن يتفضل عليه بالثواب وطرح العقاب ، اغترارًا بالتفضل الأوّل ، فإنه منكر خارج من حد الحكمة ، ولهذا:

( 1273 ) قال رسول الله A لما تلاها ."غرّه جهله"وقال عمر Bه: غرّه حمقه وجهله . وقال الحسن: غره والله شيطانه الخبيث ، أي: زين له المعاصي وقال له: أفعل ما شئت ، فربك الكريم الذي تفضل عليك بما تفضل به أوّلا وهو متفضل عليك آخرًا ، حتى ورطه وقيل للفضيل ابن عياض: إن أقامك الله يوم القيامة وقال لك: { مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم } ماذا تقول؟ قال أقول: غرّتني ستورك المرخاة . وهذا على سبيل الاعتراف بالخطأ في الاغترار بالستر ، وليس باعتذار كما يظنه الطماع ، ويطّن به قصاص الحشوية ويروون عن أئمتهم: إنما قال { بِرَبّكَ الكريم } دون سائر صفاته ، ليلقن عبده الجواب حتى يقول: غرّني كرم الكريم . وقرأ سعيد بن جبير: «ما أغرّك» إما على التعجب ، وإما على الاستفهام؛ من قولك: غرّ الرجل فهو غارّ: إذا غفل ، من قولك: بيتهم العدوّ وهم غارّون . وأغرّه غيره: جعله غارًا { فسواك } فجعلك سويا سالم الأعضاء { فَعَدَلَكَ } فصيرك معتدلًا متناسب الخلق من غير تفاوت فيه ، فلم يجعل إحدى اليدين أطول ، ولا إحدى العينين أوسع ، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود ، ولا بعض الشعر فاحمًا وبعضه أشقر . أو جعلك معتدل الخلق تمشي قائمًا لا كالبهائم . وقرىء «فعدلك» بالتخفيف وفيه وجهان ، أحدهما: أن يكون بمعنى المشدّد ، أي: عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت والثاني { فَعَدَلَكَ } فصرفك . يقال: عدله عن الطريق يعني: فعدلك عن خلقة غيرك وخلقك خلقة حسنة مفارقة لسائر الخلق . أو فعدلك إلى بعض الأشكال والهيآت . { مَّا } في { مَّا شَآءَ } مزيدة ، أي: ركبك في أيّ صورة اقتضتها مشيئته وحكمته من الصور المختلقة في الحسن والقبح والطول والقصر والذكورة والأنوثة ، والشبه ببعض الأقارب وخلاف الشبه فإن قلت: هلا عطفت هذه الجملة كما عطف ما قبلها؟ قلت: لأنها بيان لعدلك . فإن قلت: بم يتعلق الجار؟ قلت: يجوز أن يتعلق بركبك . على معنى: وضعك في بعض الصور ومكنك فيه ، وبمحذوف أي ركبك حاصلًا في بعض الصور؛ ومحله النصب على الحال إن علق بمحذوف ويجوز أن يتعلق بعدلك ، ويكون في ( أي ) معنى التعجب ، أي فعدلك في صورة عجيبة ، ثم قال: ما شاء ركبك . أي ركبك ما شاء من التراكيب ، يعني تركيبًا حسنًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت