فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 3341

{ سَيَقُولُ السفهاء } الخفاف الأحلام وهم اليهود لكراهتهم التوجه إلى الكعبة ، وأنهم لا يرون النسخ . وقيل: المنافقون ، لحرصهم على الطعن والاستهزاء . وقيل: المشركون ، قالوا: رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها ، والله ليرجعن إلى دينهم . فإن قلت: أي فائدة في الإخبار بقولهم قبل وقوعه؟ قلت: فائدته أن مفاجأة المكروه أشدّ ، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع لما يتقدّمه من توطين النفس ، وأنّ الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم وأرد لشغبه ، وقبل الرمي يراش السهم { مَا ولاهم } ما صرفهم { عَن قِبْلَتِهِمُ } وهي بيت المقدس { لّلَّهِ المشرق والمغرب } أي بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها { يَهْدِى مَن يَشَآءُ } من أهلها { إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } وهو ما توجبه الحكمة والمصلحة ، من توجيههم تارة إلى بيت المقدس ، وأخرى إلى الكعبة { وكذلك جعلناكم } ومثل ذلك الجعل العجيب جعلناكم { أُمَّةً وَسَطًا } خيارًا ، وهي صفة بالاسم الذي هو وسط الشيء . ولذلك استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث . ونحوه قوله عليه السلام: (

( 63 « وأنطوا الثبجة » يريد الوسيطة بين السمينة والعجفاء وصفًا بالثَّج وهو: وسط الظهر ، إلا أنه ألحق تاء التأنيث مراعاة لحق الوصف . وقيل: للخيار: وسط لأنّ الأطراف يتسارع إليها الخلل ، والأعوار والأوساط محمية محوّطة . ومنه قول الطائي:

كَانَتْ هِيَ الْوَسَط المَحْمِيَّ فَاكْتَنفَتْ ... بِهَا الْحَوَادِثُ حَتَّى أَصْبَحَتْ طَرَفَا

وقد اكتريت بمكة جمل أعرابي للحج فقال: أعطني من سطاتهنه ، أراد من خيار الدنانير . أو عدولًا ، لأنّ الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض { لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس } روي:

( 64 ) ( أنّ الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء ، فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم ، فيؤتى بأمّة محمد A فيشهدون ، فتقول الأمم: من أين عرفتم؟ فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق ، فيؤتى بمحمد A فيسأل عن حال أمته ، فيزكيهم ويشهد بعدالتهم ) وذلك قوله تعالى: { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيدًا } [ النساء: 41 ] .

فإن قلت: فهلا قيل لكم شهيدًا وشهادته لهم لا عليهم . قلت: لما كان الشهيد كالرقيب والمهيمن على المشهود له ، جيء بكلمة الاستعلاء . ومنه قوله تعالى: { والله على كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } [ المجادلة: 7 ] ، { كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } [ المائدة: 17 ] . وقيل: لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلا بشهادة العدول الأخيار { وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } يزكيكم ويعلم بعدالتكم ، فإن قلت: لم أخرت صلة الشهادة أولًا وقدّمت آخرًا؟ قلت: لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم ، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيدًا عليهم { التى كُنتَ عَلَيْهَا } ليست بصفة للقبلة إنما هي ثاني مفعولي جعل . يريد: وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة ، لأنّ رسول الله A كان يصلّي بمكة إلى الكعبة ، ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تألفًا لليهود ، ثم حوّل إلى الكعبة فيقول: وما جعلنا القبلة التي تجب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أوّلًا بمكة ، يعني: وما رددناك إليها إلا امتحانًا للناس وابتلاء { لَنَعْلَمُ } الثابت على الإسلام الصادق فيه ، ممن هو على حرف ينكُص { على عَقِبَيْهِ } لقلقه فيرتدّ كقوله: { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } الآية . ويجوز أن يكون بيانًا للحكمة في جعل بيت المقدس قبلته . يعني أنّ أصل أمرك أن تستقبل الكعبة ، وأن استقبالك بيت المقدس كان أمرًا عارضًا لغرض . وإنما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها قبل وقتك هذا وهي بيت المقدس ، لنمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول منهم ومن لا يتبعه وينفر عنه . وعن ابن عباس Bه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت