فهرس الكتاب

الصفحة 2482 من 3341

{ نَبِيًّا } حال مقدرة ، كقوله تعالى: { فادخلوها خالدين } [ الزمر: 73 ] . فإن قلت: فرق بين هذا وبين قوله: ( فادخلوها خالدين ) وذلك أنّ المدخول موجود مع وجود الدخول ، والخلود غير موجود معهما ، فقدرت مقدرين الخلود فكان مستقيمًا ، وليس كذلك المبشر به ، فإنه معدوم وقت وجود البشارة ، وعدم المبشر به فإنه معدوم وقت وجود البشارة وعدم المبشر به أوجب عدم حاله لا محالة؛ لأنّ الحال حلية ، والحلية لا تقوم إلا بالمحلى ، وهذا المبشر به الذي هو إسحاق حين وجد لم توجد النبوّة أيضًا بوجوده ، بل تراخت عنه مدّة متطاولة ، فكيف يجعل نبيًا حالًا مقدّرة ، والحال صفة الفاعل أو المفعول عند وجود الفعل منه أو به؛ فالخلود وإن يكن صفتهم عند دخول الجنة ، فتقديرها صفتهم؛ لأنّ المعنى مقدّرين الخلود ، وليس كذلك النبوّة؛ فإنه لا سبيل إلى أن تكون موجودة أو مقدّرة وقت وجود البشارة بإسحاق لعدم إسحاق . قلت: هذا سؤال دقيق السلك ضيق المسلك ، والذي يحل الإشكال: أنه لا بدّ من تقدير مضاف محذوف ، وذلك قولك: وبشرناه بوجود إسحاق نبيًا ، أي بأن يوجد مقدّرة نبوّته؛ فالعامل في الحال الوجود لا فعل البشارة ، وبذلك يرجع ، نظير قوله تعالى: { فادخلوها خالدين } [ الزمر: 73 ] { مّنَ الصالحين } حال ثانية ، وورودها على سبيل الثناء والتقريظ؛ لأنّ كل نبي لا بدّ أن يكون من الصالحين . وعن قتادة: بشره الله بنبوّة إسحاق بعد ما امتحنه بذبحه ، وهذا جواب من يقول الذبيح إسحاق لصاحبه عن تعلقه لقوله: { وبشرناه بإسحاق } قالوا: ولا يجوز أن يبشره الله بمولده ونبوّته معًا؛ لأن الامتحان بذبحه لا يصحّ مع علمه بأنه سيكون نبيًا { وباركنا عَلَيْهِ وعلى إسحاق } وقرىء: «وبَرَّكْنا» أي: أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا ، كقوله: { وَآتَيْنَاه أَجْرَهُ فِى الدنيا وَإِنَّهُ فِى الأَخِرَةِ لَمِنَ الصالحين } [ العنكبوت: 27 ] وقيل: باركنا على إبراهيم في أولاده ، وعلى إسحاق بأن أخرجنا أنبياء بني إسرائيل من صلبه . وقوله: { وظالم لّنَفْسِهِ } نظيره: { قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى؟ قَالَ: لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } [ البقرة: 124 ] وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيب لا يجري أمرهما على العرق والعنصر ، فقد يلد البر الفاجر ، والفاجر البر . وهذا مما يهدم أمر الطبائع والعناصر ، وعلى أن الظلم في أعقابهما لم يعد عليهما بعيب ولا نقيصة ، وأنّ المرء يعاب بسوء فعله ويعاتب على ما اجترحت يداه ، لا على ما وجد من أصله أو فرعه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت