فهرس الكتاب

الصفحة 1707 من 3341

{ وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ } واردة عن غضب شديد ومنادية على سخط عظيم؛ لأنّ القصم أفظع الكسر وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء ، بخلاف الفصم . وأراد بالقرية: أهلها ، ولذلك وصفها بالظلم ، وقال: { قَوْمًا ءاخَرِينَ } لأن المعنى: أهلكنا قومًا وأنشأنا قومًا آخرين . وعن ابن عباس: أنها «حضور» وهي و «سحول» قريتان باليمن ، تنسب إليهما الثياب . وفي الحديث .

( 693 ) "كُفنَ رسولُ الله A في ثوبَيْنِ سحوليَيْن"وروي «حضورَيْين» . بعث الله إليهم نبيًا فقتلوه ، فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم . وروي: أنهم لما أخذتهم السيوف ونادى مناد من السماء يا لثارات الأنبياء ندموا واعترفوا بالخطأ . وذلك حين لم ينفعهم الندم . وظاهر الآية على الكثرة . ولعل ابن عباس ذكر «حضور» بأنها إحدى القرى التي أرادها الله بهذه الآية . فلما علموا شدّة عذابنا وبطشتنا علم حس ومشاهدة ، لم يشكوا فيها ، ركضوا من ديارهم ، والركض: ضرب الدابة بالرجل . ومنه قوله تعالى: { اركض بِرِجْلِكَ } [ ص: 42 ] فيجوز أن يركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب . ويجوز أن يشبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراكضين لدوابهم ، فقيل لهم ، { لاَ تَرْكُضُواْ } والقول محذوف . فإن قلت: من القائل؟ قلت يحتمل أن يكون بعض الملائكة أو من ثم من المؤمنين أو يجعلوا خلقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يقل . أو يقوله رب العزة ويسمعه ملائكته لينفعهم في دينهم . أو يلهمهم ذلك فيحدثوا به نفوسهم { وارجعوا إلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ } من العيش الرافه والحال الناعمة . والإتراف: إبطار النعمة وهي الترفة { لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } تهكم بهم وتوبيخ ، أي: ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسئلون غدًا عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم ، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة . أو ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم . وترتبوا في مراتبكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم ومن تملكون أمره وينفذ فيه أمركم ونهيكم ويقول لكم: بم تأمرون؟ وبماذا ترسمون؟ وكيف نأتي ونذر كعادة المنعمين المخدَّمين؟ أو يسألكم الناس في أنديتكم المعاون في نوازل الخطوب ، ويستشيرونكم في المهمات والعوارض ويستشفون بتدابيركم ، ويستضيئون بآرائكم أو يسألكم الوافدون عليكم والطماع ويستمطرون سحائب أكفكم ، ويمترون أخلاف معروفكم وأياديكم: إما لأنهم كانوا أسخياء ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلب الثناء . أو كانوا بخلاء فقيل لهم ذلك تهكمًا إلى تهكم ، وتوبيخًا إلى توبيخ { تِلْكَ } إشارة إلى يا ولينا ، لأنها دعوى ، كأنه قيل: فما زالت تلك الدعوى { دَعْوَاهُمْ } والدعوى بمعنى الدعوة . قال تعالى: { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } [ يونس: 10 ] . فإن قلت: لم سميت دعوى؟ قلت: لأن المولول كأنه يدعو الويل ، فيقول تعالى: يا ويل فهذا وقتك . و { تِلْكَ } مرفوع أو منصوب اسمًا أو خبرًا وكذلك دعواهم . [ حصيدًا ] الحصيد: الزرع المحصود . أي: جعلناهم مثل الحصيد ، شبههم به في استئصالهم واصطلامهم كما تقول: جعلناهم رمادًا ، أي مثل الرماد . والضمير المنصوب هو الذي كان مبتدأ والمنصوبان بعده كانا خبرين له ، فلما دخل عليها جعل نصبها جميعًا على المفعولية . فإن قلت كيف ينصب «جعل» ثلاثة مفاعيل؟ قلت: حكم الاثنين الآخرين حكم الواحد؛ لأنّ معنى قولك «جعلته حلوًا حامضًا» جعلته جامعًا للطعمين . وكذلك معنى ذلك: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت