فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 3341

معنى الهمزة التي في { كَيْفَ } مثله في قولك: أتكفرون بالله ومعكم ما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان ، وهو الإنكار والتعجب . ونظيره قولك: أتطير بغير جناج ، وكيف تطير بغير جناح؟ فإن قلت: قولك: أتطير بغير جناح إنكار للطيران ، لأنه مستحيل بغير جناح ، وأما الكفر فغير مستحيل مع ما ذكر من الإماتة والإحياء . قلت: قد أخرج في صورة المستحيل لما قوى من الصارف عن الكفر والداعي إلى الإيمان . فإن قلت: فقد تبين أمر الهمزة وأنها لإنكار الفعل والإيذان باستحالته في نفسه ، أو لقوة الصارف عنه ، فما تقول في { كَيْفَ } حيث كان إنكارًا للحال التي يقع عليها كفرهم؟ قلت: حال الشيء تابعة لذاته ، فإذا امتنع ثبوت الذات تبعه امتناع ثبوت الحال؛ فكان إنكار حال الكفار لأنها تبيع ذات الكفر ورديفها إنكارًا لذات الكفر ، وثباتها على طريق الكناية ، وذلك أقوى لإنكار الكفر وأبلغ . وتحريره: أنه إذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها . وقد علم أنّ كل موجود لا ينفك عن حال وصفةٍ عند وجوده . ومحال أن يوجد بغير صفة من الصفات كان إنكارًا لوجوده على الطريق البرهاني .

والواو في قوله: { وَكُنتُمْ أمواتا } للحال ، فإن قلت: فكيف صح أن يكون حالًا وهو ماض ، ولا يقال جئت وقام الأمير ، ولكن وقد قام ، إلا لأن يضمر قد؟ قلت: لم تدخل الواو على { كُنتُمْ أمواتا } وحده ، ولكن على جملة قوله: { كُنتُمْ أمواتا } إلى { تُرْجَعُونَ } ، كأنه قيل: كيف تكفرون بالله وقصتكم هذه وحالكم أنكم كنتم أمواتًا نطفًا في أصلاب آبائكم فجعلكم أحياء ثم يميتكم بعد هذه الحياة ، ثم يحييكم بعد الموت ، ثم يحاسبكم . فإن قلت: بعض القصة ماض وبعضها مستقبل ، والماضي والمستقبل كلاهما لا يصح أن يقعا حالًا حتى يكون فعلًا حاضرًا وقت وجود ما هو حال عنه ، فما الحاضر الذي وقع حالًا؟ قلت: هو العلم بالقصة ، كأنه قيل: كيف تكفرون وأنتم عالمون بهذه القصة بأولها وآخرها . فإن قلت: فقد آل المعنى إلى قولك: على أي حال تكفرون في حال علمكم بهذه القصة فما وجه صحته؟ قلت: قد ذكرنا أنّ معنى الاستفهام في { كَيْفَ } الإنكار . وأنّ إنكار الحال متضمن لإنكار الذات على سبيل الكناية ، فكأنه قيل: ما أعجب كفركم مع علمكم بحالكم هذه! فإن قلت: إن اتصل علمهم بأنهم كانوا أمواتًا فأحياهم ثم يميتهم ، فلم يتصل بالإحياء الثاني والرجوع؟ قلت: قد تمكنوا من العلم بهما بالدلائل الموصلة إليه ، فكان ذلك بمنزلة حصول العلم . وكثير منهم علموا ثم عاندوا . والأموات: جمع ميت ، كالأقوال في جمع قَيِّل . فإن قلت: كيف قيل لهم أموات في حال كونهم جمادًا ، وإنما يقال ميت فيما يصح فيه الحياة من البتى؟ قلت: بل يقال ذلك لعادم الحياة ، كقوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت