فهرس الكتاب

الصفحة 2363 من 3341

{ الذين كَفَرُواْ } قريش . قال بعضهم لبعض: { هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ } يعنون محمدًا A: يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب: أنكم تبعثون وتنشئون خلقًا جديدًا بعد أن تكونوا رفاتًا وترابًا ويمزق أجسادكم البلى كل ممزق ، أي: يفرقكم ويبدد أجزاءكم كل تبديد . أهو مفتر على الله كذبًا فيما ينسب إليه من ذلك؟ أم به جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه؟ ثم قال سبحانه ليس محمد من الافتراء والجنون في شيء ، وهو مبرأ منهما؛ بل هؤلاء القائلون الكافرون بالبعث: واقعون في عذاب النار فيما يؤديهم إليه من الضلال عن الحق وهم غافلون عن ذلك ، وذلك أجنّ الجنون وأشدّه إطباقًا على عقولهم: جعل وقوعهم في العذاب رسيلًا لوقوعهم في الضلال ، كأنهما كائنان في وقت واحد: لأنّ الضلال لما كان العذاب من لوازمه وموجباته: جعلا كأنهما في الحقيقة مقترنان . وقرأ زيد بن عليّ Bه: ينبيكم . فإن قلت: فقد جعلت الممزق مصدرًا ، كبيت الكتاب:

أَلَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِي الْقَوَافِي ... فَلاَعِيًّا بِهِنَّ وَلاَ اجْتِلاَبًَا

فهل يجوز أن يكون مكانًا؟ قلت: نعم . ومعناه ما حصل من الأموات في بطون الطير والسباع ، وما مرّت به السيول فذهبت به كل مذهب ، وما سفته الرياح فطرحته كل مطرح . فإن قلت: ما العامل في إذا؟ قلت: ما دلّ عليه { إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } وقد سبق نظيره . فإن قلت: الجديد فعيل بمعنى فاعل أم مفعول؟ قلت: هو عند البصريين بمعنى فاعل ، تقول: جد فهو جديد ، كحدّ فهو حديد ، وقلّ فهو قليل . وعند الكوفيين بمعنى: مفعول ، من جدّه إذا قطعه . وقالوا: هو الذي جده الناسج الساعة في الثوب؛ ثم شاع . ويقولون: ولهذا قالوا ملحفة جديد ، وهي عند البصريين كقوله تعالى: { إن رحمة الله قريب } [ الأعراف: 56 ] ونحو ذلك . فإن قلت: لم أسقطت الهمزة في قوله { افترى } دون قوله: { السحر } ، وكلتاهما همزة وصل؟ قلت: القياس الطرح ، ولكون أمرًا اضطرّهم إلى ترك إسقاطها في نحو { السحر } وهو خوف التباس الاستفهام بالخبر ، لكون همزة الوصل مفتوحة كهمزة الاستفهام . فإن قلت: ما معنى وصف الضلال بالبعد؟ قلت: هو من الإسناد المجازي؛ لأنّ البعيد صفة الضال إذا بعد عن الجادّة ، وكلما ازداد عنها بعدًا كان أضلّ . فإن قلت: كان رسول الله A مشهورًا علمًا في قريش ، وكان إنباؤه بالبعث شائعًا عندهم ، فما معنى قوله: { هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ يُنَبّئُكُمْ } فنكروه لهم ، وعرضوا عليهم الدلالة عليه كما يدلّ على مجهول في أمر مجهول . قلت: كانوا يقصدون بذلك الطنز والسخرية ، فأخرجوه مخرج التحلي ببعض الأحاجي التي يتحاجى بها للضحك والتلهي متجاهلين به وبأمره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت