فهرس الكتاب

الصفحة 3307 من 3341

فإن قلت: كيف تعلق قوله: { فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْرًا } بما قبله؟ قلت: كان المشركون يعيرون رسول الله A والمؤمنين بالفقر والضيقة ، حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله واحتقارهم ، فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم ثم قال: { فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْرًا ( 5 ) } كأنه قال: خوّلناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله ، فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسرًا . فإن قلت: { إِنَّ مَعَ } للصحبة ، فما معنى اصطحاب اليسر والعسر؟ قلت: أراد أن الله يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب ، فقرّب اليسر المترقب حتى جعله كالمقارن للعسر ، زيادة في التسلية وتقوية القلوب . فإن قلت: ما معنى قول ابن عباس وابن مسعود Bهما: لن يغلب عسر يسرين وقد روي مرفوعًا:

( 1316 ) أنه خرج A ذات يوم وهو يضحك ويقول: « لن يغلب عسر يسرين » قلت: هذا عمل على الظاهر ، وبناء على قوّه الرجاء ، وأن موعد الله لا يحمل إلا على أوفى ما يحتمله اللفظ وأبلغه ، والقول في أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريرًا للأولى كما كرر قوله: { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } [ الطور: 11 ] لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب ، وكما تكرر المفرد في قولك: جاءني زيد زيد ، وأن تكون الأولى عدّة بأنّ العسر مردوف بيسر لا محالة ، والثانية عدة مستأنفة بأنّ العسر متبوع بيسر ، فهما يسران على تقدير الاستئناف ، وإنما كان العسر واحدًا لأنه لا يخلو ، إما أن يكون تعريفه للعهد ، وهو العسر الذي كانوا فيه ، فهو هو؛ لأنّ حكمه حكم زيد في قولك: إن مع زيد مالًا ، إن مع زيد مالًا . وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه لك كل أحد فهو هو أيضًا . وأما اليسر فمنكر متناول لبعض الجنس ، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفًا غير مكرّر فقد تناول بعضًا غير البعض الأوّل بغير إشكال . فإن قلت: فما المراد باليسرين؟ قلت: يجوز أن يراد بهما ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله A وما تيسر لهم في أيام الخلفاء ، وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة ، كقوله تعالى: { قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين } [ التوبة: 52 ] وهما حسنى الظفر وحسنى الثواب . فإن قلت: فما معنى هذا التنكير؟ قلت: التفخيم ، كأنه قيل: إن مع العسر يسرًا عظيمًا وأيّ يسر ، وهو في مصحف ابن مسعود مرة واحدة . فإن قلت: فإذا ثبت في قراءته غير مكرر ، فلم قال: والذي نفسي بيده ، لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه ، إنه لن يغلب عسر يسرين؟ قلت: كأنه قصد باليسرين: ما في قوله: { يُسْرًا } من معنى التفخيم ، فتأوله بيسر الدارين ، وذلك يسران في الحقيقة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت