أقسم سبحانه بطوائف من الملائكة ، أرسلهنّ بأوامره فعصفن في مضيهن كما تعصف الرياح ، تخففًا في امتثال أمره ، وبطوائف منهم نشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن بالوحي . أو نشرن الشرائع في الأرض . أو نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل بما أوحين ، ففرّقن بين الحق والباطل ، فألقين ذكرًا إلى الأنبياء { عُذْرًا } للمحقين { أَوْ نُذْرًا } للمبطلين . أو أقسم برياح عذاب أرسلهن . فعصفن ، وبرياح رحمة نشرن السحاب في الجوّ ففرّقن بينه ، كقوله: { وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا } [ الروم: 48 ] ، أو بسحائب نشرن الموات ، ففرّقن بين من يشكر لله تعالى وبين من يكفر ، كقوله: { لأسقيناهم مَّاءً غَدقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } [ الجن: 16 ] فألقين ذكرًا إمّا عذرًا للذين يعتذرون إلى الله بتوبتهم واستغفارهم إذا رأوا نعمة الله في الغيث ويشكرونها ، وإما إنذارًا للذين يغفلون الشكر لله وينسبون ذلك إلى الأنواء ، وجعلن ملقيات للذكر لكونهن سببًا في حصوله إذا شكرت النعمة فيهن أو كفرت . فإن قلت: ما معنى عرفًا؟ قلت: متتابعة كشَعَر العرف يقال: جاؤا عرفًا واحدًا؛ وهم عليه كعرف الضبع: إذا تألبوا عليه ، ويكون بمعنى العرف الذي هو نقيض النكر؛ وانتصابه على أنه مفعول له ، أي: أرسلن للإحسان والمعروف؛ والأول على الحال . وقرىء «عرفا» على التثقيل ، نحو نكر في نكر . فإن قلت: قد فسرت المرسلات بملائكة العذاب ، فكيف يكون إرسالهم معروفًا؟ قلت: إن لم يكن معروفًا للكفار فإنه معروف للأنبياء والمؤمنين الذين انتقم الله لهم منهم . فإن قلت: ما العذر والنذر ، وبما انتصبا؟ قلت: هما مصدران من أعذر إذا محا الإساءة ، ومن أنذر إذا خوّف على فعل ، كالكفر والشكر ، ويجوز أن يكون جمع عذير ، بمعنى المعذرة؛ وجمع نذير بمعنى الإنذار . أو بمعنى العاذر والمنذر . وأما انتصابهما فعلى البدل من ذكرًا على الوجهين الأوّلين أو على المفعول له . وأما على الوجه الثالث فعلى الحال بمعنى عاذرين أو منذرين . وقرئا: مخففين ومثقلين .