فهرس الكتاب

الصفحة 2375 من 3341

أمره بأن يقررهم بقوله: { مَن يَرْزُقُكُم } ثم أمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم بقوله: يرزقكم الله . وذلك بالإشعار بأنهم مقرّون به بقلوبهم ، إلاّ أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به؛ لأن الذي تمكن في صدورهم من العناد وحب الشرك قد ألجم أفواههم عن النطق بالحق مع علمهم بصحته ، ولأنهم إن تفوهوا بأن الله رازقهم: لزمهم أن يقال لهم: فما لكم لا تعبدون من يرزقكم وتؤثرون عليه من لا يقدر على الرزق ، ألا ترى إلى قوله: { قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والأرض أَمَّن يَمْلِكُ السمع والأبصار } [ يونس: 31 ] حتى قال: { فَسَيَقُولُونَ الله } [ يونس: 31 ] ثم قال: { فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال } [ يونس: 32 ] فكأنهم كانوا يقرّون بألسنتهم مرّة ، ومرّة كانوا يتلعثمون عنادًا وضرارًا وحذارًا من إلزام الحجة ، ونحوه قوله عزّ وجلّ: { قُلْ مَن رَّبُّ السماوات والأرض قُلِ الله قُلْ أفاتخذتم مّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُون لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرّا } [ الرعد: 16 ] وأمره أن يقول لهم بعد الإلزام والإلجام الذي إن لم يزد على إقرارهم بألسنتهم لم يتقاصر عنه { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِى ضلال مُّبِينٍ } ومعناه: وإنّ أحد الفريقين من الذين يوحدون الرازق من السموات والأرض بالعبادة ومن الذين يشركون به الجماد الذي لا يوصف بالقدرة ، لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال ، وهذا من الكلام المنصف الذي كل من سمعه من موال أو مناف قال لمن خوطب به: قد أنصفك صاحبك ، وفي درجة بعد تقدّمه ما قدم من التقرير البليغ: دلالة غير خفية على من هو من الفريقين على الهدى ومن هو في الضلال المبين ، ولكن التعريض والتورية أنضل بالمجادل إلى الغرض ، وأهجم به على الغلبة ، مع قلة شغب الخصم وفلّ شوكته بالهوينا ونحوه قول الرجل لصاحبه: علم الله الصادق مني ومنك ، وإن أحدنا لكاذب . ومنه بيت حسان:

أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ

فإن قلت: كيف خولف بين حرفيّ الجرّ الداخلين على الحق والضلال؟ قلت: لأن صاحب الحق كأنه مستعل على فرس جواد يركضه حيث شاء ، والضال كأنه منغمس في ظلام مرتبك فيه لا يدري أن يتوجه . وفي قراءة أبيّ: «وإنا أو أياكم إما على هدى أو في ضلال مبين» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت