روي:
( 280 ) أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعامًا وشرابًا فدعا نفرًا من أصحاب رسول الله A حين كانت الخمر مباحة ، فأكلوا وشربوا ، فلما ثملوا وجاء وقت صلاة المغرب قدموا أحدهم ليصلي بهم ، فقرأ: أعبد ما تعبدون ، وأنتم عابدون ما أعبد ، فنزلت ، فكانوا لا يشربون في أوقات الصلوات ، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون . ثم نزل تحريمها . ومعنى { لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة } لا تغشوها ولا تقوموا إليها واجتنبوها . كقوله: { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنا } [ الإسراء: 32 ] ، { لا تَقْرَبُواْ الفواحش } [ الأنعام: 51 ] ، وقيل معناه: ولا تقربوا مواضعها وهي المساجد ، لقوله E:
( 281 ) "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم"، وقيل: هو سكر النعاس وغلبة النوم ، كقوله:
.. . . . . . . . . . . وَرَانُوا ... بِسُكْرِ سِنَاتِهِمْ كُلَّ الرُّيُونِ
وقرىء: «سكارى» ، بفتح السين ، «وسكرى» ، على أن يكون جمعًا ، نحو: هلكى ، وجوعى ، لأن السكر علة تلحق العقل . أو مفردًا بمعنى: وأنتم جماعة سكرى ، كقولك: امرأة سكرى ، وسكرى بضم السين كحبلى . على أن تكون صفة للجماعة . وحكى جناح بن حبيش: كسلى وكسلى ، بالفتح والضم { وَلاَ جُنُبًا } عطف على قوله: { وَأَنتُمْ سكارى } لأن محل الجملة مع الواو النصب على الحال ، كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبًا . والجنب: يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ، لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب { إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } استثناء من عامة أحوال المخاطبين . وانتصابه على الحال . فإن قلت: كيف جمع بين هذه الحال والحال التي قبلها؟ قلت: كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة ، إلا ومعكم حال أخرى تعذرون فيها ، وهي حال السفر . وعبور السبيل: عبارة عنه . ويجوز أن لا يكون حالًا ولكن صفة ، لقوله ( جنبًا ) أي ولا تقربوا الصلاة جنبًا غير عابري سبيل ، أي جنبًا مقيمين غير معذورين ، فإن قلت: كيف تصح صلاتهم على الجنابة لعذر السفر؟ قلت: أريد بالجنب: الذين لم يغتسلوا كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة غير مغتسلين . حتى تغتسلوا ، إلا أن تكونوا مسافرين . وقال: من فسر الصلاة بالمسجد معناه: لا تقربوا المسجد جنبًا إلا مجتازين فيه ، إذا كان الطريق فيه إلى الماء ، أو كان الماء فيه أو احتلمتم فيه . وقيل: إن رجالًا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد ، فتصيبهم الجنابة ولا يجدون ممرّا إلا في المسجد ، فرخص لهم . وروي:
( 282 ) أن رسول الله A لم يأذن لأحد أن يجلس في المسجد أو يمرّ فيه وهو جنب إلا لعلي Bه . لأن بيته كان في المسجد فإن قلت: أدخل في حكم الشرط أربعة: وهم المرضى ، والمسافرون ، والمحدثون ، وأهل الجنابة فيمن تعلق الجزاء الذي هو الأمر بالتيمم عند عدم الماء منهم .