{ وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ } «من» للتبعيض لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات ، ولأنه لا يصلح له إلا من علم المعروف والمنكر ، وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته وكيف يباشر ، فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر ، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر ، وقد يغلظ في موضع اللين ، ويلين في موضع الغلظة ، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تماديًا ، أو على مَن الإنكار عليه عبث ، كالإنكار على أصحاب المآصر والجلادين وأضرابهم . وقيل «من» للتبيين ، بمعنى: وكونوا أمّة تأمرون ، كقوله تعالى: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ } [ آل عمران: 110 ] . { وأولئك هُمُ المفلحون } هم الأخصاء بالفلاح دون غيرهم . وعن النبي A أنه سئل وهو على المنبر:
( 197 ) "من خير الناس؟ قال: آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر . وأتقاهم لله وأوصلهم"وعنه E:
( 198 ) "من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه ، وخليفة رسوله ، وخليفة كتابه"وعن علي Bه:
( 199 ) أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومن . . . . شنىء الفاسقين وغضب لله ، غضب الله له . وعن حذيفة: يأتي على الناس زمان تكون فيهم جيفة الحمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، وعن سفيان الثوري: إذا كان الرجل محببًا في جيرانه محمودًا عند إخوانه فاعلم أنه مداهن . والأمر بالمعروف تابع للمأمور به ، إن كان واجبًا فواجب ، وإن كان ندبًا فندب . وأما النهي عن المنكر فواجب كله ، لأنّ جميع المنكر تركه واجب لاتصافه بالقبح . فإن قلت: ما طريق الوجوب؟ قلت: قد اختلف فيه الشيخان ، فعند أبي علي: السمع والعقل ، وعند أبي هاشم: السمع وحده . فإن قلت: ما شرائط النهي؟ قلت أن يعلم الناهي أن ما ينكره قبيح ، لأنه إذا لم يعلم لم يأمن أن ينكر الحسن ، وأن لا يكون ما ينهي عنه واقعًا ، لأن الواقع ، لا يحسن النهي عنه ، وإنما يحسن الذم عليه والنهي عن أمثاله ، وأن لا يغلب على ظنه أن المنهي يزيد في منكراته ، وأن لا يغلب على ظنه أن نهيه لا يؤثر لأنه عبث . فإن قلت: فما شروط الوجوب؟ قلت: أن يغلب على ظنه وقوع المعصية نحو أن يرى الشارب قد تهيأ لشرب الخمر بإعداد آلاته ، وأن لا يغلب على ظنه أنه إن أنكر لحقته مضرة عظيمة . فإن قلت: كيف يباشر الإنكار؟ قلت يبتدىء بالسهل ، فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب ، لأنّ الغرض كف المنكر . قال الله تعالى: { فأصلحوا بينهما } ثم قال: { فقاتلوا } [ النساء: 76 ] ، فإن قلت: فمن يباشره؟ قلت: كل مسلم تمكن منه واختص بشرائطه ، وقد أجمعوا أن من رأى غيره تاركًا للصلاة وجب عليه الإنكار ، لأنه معلوم قبحه لكل أحد .