{ حَقَّ تُقَاتِهِ } واجب تقواه وما يحق منها ، وهو القيام بالمواجب واجتناب المحارم ، ونحوه { فاتقوا الله مَا استطعتم } [ التغابن: 16 ] يريد: بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئًا . وعن عبد الله:
( 195 ) « هو أن يطاع فلا يعصى ، ويشكر فلا يكفر ، ويذكر فلا ينسى » وروي مرفوعًا . وقيل: هو أن لا تأخذه في الله لومة لائم ، ويقوم بالقسط ولو على نفسه أو ابنه أو أبيه . وقيل: لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه ، والتقاة من اتقى كالتؤدة من اتأد { وَلاَ تَمُوتُنَّ } معناه: ولا تكوننّ على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت ، كما تقول لمن تستعين به على لقاء العدوّ: لا تأتني إلا وأنت على حصان ، فلا تنهاه عن الإتيان ولكنك تنهاه عن خلاف الحال التي شرطت عليه في وقت الإتيان . قولهم اعتصمت بحبله: يجوز أن يكون تمثيلًا لاستظهاره به ووثوقه بحمايته ، بامتساك المتدلي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه ، وأن يكون الحبل استعارة لعهده والاعتصام لوثوقه بالعهد ، أو ترشيحًا لاستعارة الحبل بما يناسبه . والمعنى: واجتمعوا على استعانتكم بالله ووثوقكم به ولا تفرقوا عنه . أو واجتمعوا على التمسك بعهده إلى عباده وهو الإيمان والطاعة؛ أو بكتابه لقول النبي A:
( 196 ) « القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه ، ولا يخلق عن كثرة الردّ ، من قال به صدق؛ ومن عمل به رشد ، ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم » { وَلاَ تَفَرَّقُواْ } ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كما اختلفت اليهود والنصارى ، أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية متدابرين يعادي بعضكم بعضًا ويحاربه أو ولا تحدثوا ما يكون عنه التفرق ويزول معه الاجتماع والألفة التي أنتم عليها مما يأباه جامعكم والمؤلف بينكم ، وهو اتباع الحق والتمسك بالإسلام . كانوا في الجاهلية بينهم الإحن والعداوات والحروب المتواصلة ، فألف الله بين قلوبهم بالإسلام . وقذف فيها المحبة فتحابوا وتوافقوا وصاروا { إِخْوَانًا } متراحمين متناصحين مجتمعين على أمر واحد قد نظم بينهم وأزال الاختلاف ، وهو الأخوة في الله: وقيل: هم الأوس والخزرج ، كانا أخوين لأب وأم ، فوقعت بينهما العداوة وتطاولت الحروب مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام وألف بينهم برسول الله A { وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ النار } وكنتم مشفين على أن تقعوا في نار جهنم لما كنتم عليه من الكفر { فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا } بالإسلام . والضمير للحفرة أو للنار أو للشفا وإنما أنث لإضافته إلى الحفرة وهو منها كما قال:
كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنَ الدَّمِ ... وشفا الحفرة وشفتها: حرفها ، بالتذكير والتأنيث ، ولامها واو ، إلا أنها في المذكر مقلوبة وفي المؤنث محذوفة ، ونحو الشفا والشفة الجانب والجانبة . فإن قلت: كيف جعلوا على حرف حفرة من النار؟ قلت: لو ماتوا على ما كانوا عليه وقعوا في النار ، فمثلت حياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها مشفين على الوقوع فيها { كذلك } مثل ذلك البيان البليغ { يُبَيّنُ الله لَكُمْ ءاياته لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } إرادة أن تزدادوا هدى .