{ إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاء } قصر لجنس الصدقات على الأصناف المعدودة وأنها مختصة بها ، لا تتجاوزها إلى غيرها ، كأنه قيل: إنما هي لهم لا لغيرهم . ونحوه قولك: إنما الخلافة لقريش ، تريد لا تتعداهم ولا تكون لغيرهم فيحتمل أن تصرف إلى الأصناف كلها وأن تصرف إلى بعضها ، وعليه مذهب أبي حنيفة Bه . وعن حذيفة وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين Bهم أنهم قالوا: في أي صنف منها وضعتها أجزاك . وعن سعيد بن جبير Bه: لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقراء متعففين فجبرتهم بها كان أحبّ إليّ . وعند الشافعيّ Bه ، لا بدّ من صرفها إلى الأصناف الثمانية وعن عكرمة Bه أنها تفرق في الأصناف الثمانية . وعن الزهري أنه كتب لعمر بن عبد العزيز تفريق الصدقات على الأصناف الثمانية { والعاملين عَلَيْهَا } السعاة الذين يقبضونها { والمؤلفة قُلُوبُهُمْ } أشراف من العرب كان رسول الله A يستألفهم على أن يسلموا فيرضخ لهم شيئًا منها حين كان في المسلمين قلة . والرقاب: المكاتبون يعانون منها . وقيل: الأسارى . وقيل: تبتاع الرقاب فتعتق { والغارمين } الذين ركبتهم الديون ولا يملكون بعدها ما يبلغ النصاب . وقيل: الذين تحملوا الحمالات فتداينوا فيها وغرموا { وَفِى سَبِيلِ الله } فقراء الغزاة والحجيج المنقطع بهم { وابن السبيل } المسافر المنقطع عن ماله فهو فقير حيث هو غنيّ حيث ماله { فَرِيضَةً مّنَ الله } في معنى المصدر المؤكد ، لأن قوله إنما الصدقات للفقراء معناه فرض الله الصدقات لهم . وقرىء: «فريضة» بالرفع على: تلك فريضة . فإن قلت: لم عدل عن اللام إلى «في» في الأربعة الأخيرة؟ قلت: للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره ، لأن «في» للوعاء ، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات ويجعلوا مظنة لها ومصبًا ، وذلك لما في فكّ الرقاب من الكتابة أو الرقّ أو الأسر ، وفي فكّ الغارمين من الغرم من التخليص والإنقاذ ، ولجمع الغازي الفقير أو المنقطع في الحج بين الفقر والعبادة ، وكذلك ابن السبيل جامع بين الفقر والغربة عن الأهل والمال ، وتكرير «في» في قوله: { وَفِى سَبِيلِ الله وابن السبيل } فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين . فإن قلت: فكيف وقعت هذه الآية في تضاعف ذكر المنافقين ومكايدهم؟ قلت: دلّ بكون هذه الأصناف مصارف الصدقات خاصة دون غيرهم على أنهم ليسوا منهم ، حسمًا لأطماعهم وإشعارًا باستيجابهم الحرمان ، وأنهم بعداء عنها وعن مصارفها ، فما لهم وما لها؟ وما سلطهم على التكلم فيها ولمز قاسمها صلوات الله عليه وسلامه؟ .