{ لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح } لن يأنف ولن يذهب بنفسه عزة ، من نكفت الدمع ، إذا نحيته عن خدك بأصابعك { وَلاَ الملئكة المقربون } ولا من هو أعلى منه قدرًا وأعظم منه خطرًا وهم الملائكة الكروبيون الذين حول العرش ، كجبريل وميكائيل وإسرافيل ، ومن في طبقتهم . فإن قلت: من أين دلّ قوله: { وَلاَ الملئكة المقربون } على أنّ المعنى: ولا من فوقه؟ قلت: من حيث أنّ علم المعاني لا يقتضي غير ذلك . وذلك أنّ الكلام إنما سيق لرد مذهب النصارى وغلوّهم في رفع المسيح عن منزلة العبودية ، فوجب أن يقال لهم: لن يترفع عيسى عن العبودية ، ولا من هو أرفع منه درجة ، كأنه قيل: لن يستنكف الملائكة المقرّبون من العبودية ، فكيف بالمسيح؟ ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة ، تخصيص المقرّبين لكونهم أرفع الملائكة درجة وأعلاهم منزلة . ومثاله قول القائل:
وَمَا مِثْلُهُ مِمَّنْ يُجَاوِدُ حَاتِم ... وَلاَ الْبَحْرُ ذُوْ الأَمْوَاجِ يَلْتَجُّ زَاخِرُهُ
لا شبهة في أنه قصد بالبحر ذي الأمواج: ما هو فوق حاتم في الجود . ومن كان له ذوق فليذق مع هذه الآية قوله: { وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى } [ البقرة: 120 ] حتى يعترف بالفرق البين . وقرأ عليّ Bه: «عُبيدًا لله» ، على التصغير . وروي
( 328 ) أن وفد نجران قالوا لرسول الله A: لم تعيب صاحبنا؟ قال: ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى . قال: وأي شيء أقول؟ قالوا: تقول: إنه عبد الله ورسوله . قال: إنه ليس بعار أن يكون عبدًا لله . قالوا: بلى ، فنزلت: أي لا يستنكف عيسى من ذلك فلا تستنكفوا له منه ، فلو كان موضع استنكاف لكان هو أولى بأن يستنكف لأنّ العار ألصق به . فإن قلت: علام عطف قوله: { وَلاَ الملئكة } ؟ قلت: لا يخلو إمّا أن يعطف على المسيح ، أو على اسم ( يكون ) أو على المستتر في ( عبدًا ) لما فيه من معنى الوصف ، لدلالته على معنى العبادة ، كقولك: مررت برجل عبد أبوه ، فالعطف على المسيح هو الظاهر لأداء غيره إلى ما فيه بعض انحراف عن الغرض ، وهو أن المسيح لا يأنف أن يكون هو ولا من فوقه موصوفين بالعبودية ، أو أن يعبد الله هو ومن فوقه . فإن قلت: قد جعلت الملائكة وهم جماعة عبدًا لله في هذا العطف ، فما وجهه؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يراد: ولا كل واحد من الملائكة أو ولا الملائكة المقرّبون أن يكونوا عبادًا لله ، فحذف ذلك لدلالة ( عبدًا لله ) عليه إيجازًا . وأمّا إذا عطفتهم على الضمير في ( عبدًا ) فقد طاح هذا السؤال . قرىء «فسيحشرهم» بضم الشين وكسرها وبالنون .