فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 3341

{ لاَ يَغُرَّنَّكَ } الخطاب لرسول الله A أو لكل أحد ، أي لا تنظر إلى ما هم عليه من سعة الرزق والمضطرب ودرك العاجل وإصابة حظوظ الدنيا ، ولا تغتر بظاهر ما ترى من تبسطهم في الأرض ، وتصرفهم في البلاد يتكسبون ويتجرون ويتدهقنون . وعن ابن عباس: هم أهل مكة . وقيل: هم اليهود . وروي أن أناسًا من المؤمنين كانوا يرون ما كانوا فيه من الخصب والرخاء ولين العيش فيقولون: إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد . فإن قلت: كيف جاز أن يغتر رسول الله A بذلك حتى ينهي عن الاغترار به؟ قلت: فيه وجهان أحدهما أن مدرة القوم ومتقدّمهم يخاطب بشيء فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعًا ، فكأنه قيل: لا يغرنكم والثاني: أنّ رسول الله A كان غير مغرور بحالهم فأكد عليه ما كان عليه وثبت على التزامه ، كقوله: { وَلاَ تَكُنْ مع الكافرين } [ هود: 42 ] ، { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } [ الأنعام: 14 ] ، { فَلاَ تُطِعِ المكذبين } [ القلم: 8 ] وهذا في النهي نظير قوله في الأمر { اهدنا الصراط المستقيم } [ الفاتحة: 6 ] ، { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ءامِنُواْ } [ النساء: 36 ] وقد جعل النهي في الظاهر للتقلب وهو في المعنى للمخاطب ، وهذا من تنزيل السبب منزلة المسبب ، لأنّ التقلب لو غرّه لاغتر به ، فمنع السبب ليمتنع المسبب . وقرىء: «لا يغرنك» بالنون الخفيفة { متاع قَلِيلٌ } خبر مبتدأ محذوف ، أي ذلك متاع قليل وهو التقلب في البلاد ، أراد قلته في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة ، أو في جنب ما أعدّ الله للمؤمنين من الثواب ، أو أراد أنه قليل في نفسه لانقضائه وكل زائل قليل . قال رسول الله A:

( 245 ) "ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم ، فلينظر بم يرجع" { وَبِئْسَ المهاد } وساء ما مهدوا لأنفسهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت