فهرس الكتاب

الصفحة 1173 من 3341

{ ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ } الظانّ هو يوسف إن كان تأويله بطريق الاجتهاد ، وإن كان بطريق الوحي فالظان هو الشرابي ، ويكون الظنّ بمعنى اليقين { اذكرنى عِندَ رَبّكَ } صفني عند الملك بصفتي ، وقص عليه قصتي لعله يرحمني وينتاشني من هذه الورطة { فَأَنْسَاهُ الشيطان } فأنسى الشرابي { ذِكْرَ رَبّهِ } أن يذكره لربه . وقيل فأنسي يوسف ذكر الله حين وكل أمره إلى غيره { بِضْعَ سِنِينَ } البضع ما بين الثلاث إلى التسع ، وأكثر الأقاويل على أنه لبث فيه سبع سنين . فإن قلت: كيف يقدر الشيطان على الإنسان؟ قلت: يوسوس إلى العبد بما يشغله عن الشيء من أسباب النسيان ، حتى يذهب عنه ويزل عن قلبه ذكره ، وأما الإنساء ابتداء فلا يقدر عليه إلا الله D { مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا } [ البقرة: 106 ] . فإن قلت: ما وجه إضافة الذكر إلى ربه إذا أريد به الملك؟ وما هي بإضافة المصدر إلى الفاعل ولا إلى المفعول؟ قلت: قد لابسه في قولك: فأنساه الشيطان ذكر ربه ، أو عند ربه فجازت إضافته إليه ، لأنّ الإضافة تكون بأدنى ملابسة . أو على تقدير: فأنساه الشيطان ذكر أخبار ربه ، فحذف المضاف الذي هو الإخبار . فإن قلت: لم أنكر على يوسف الاستعانة بغير الله في كشف ما كان فيه ، وقد قال الله تعالى: { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى } [ المائدة: 2 ] وقال حكاية عن عيسى عليه السلام { مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله } [ آل عمران: 52 ] وفي الحديث:

( 544 ) « الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم » . ( 545 ) « من فرّج عن مؤمن كربة فرّج الله عنه كربة من كربات الآخرة » وعن عائشة Bها:

( 546 ) « أنّ رسول الله A لم يأخذه النوم ليلة من الليالي ، وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد فسمعت غطيطه » وهل ذلك إلا مثل التداوي بالأدوية والتقوّى بالأشربة والأطعمة . وإن كان ذلك لأنّ الملك كان كافرًا ، فلا خلاف في جواز أن يستعان بالكفار في دفع الظلم والغرق والحرق ونحو ذلك من المضارّ؟ قلت: كما اصطفى الله تعالى الأنبياء على خليقته فقد اصطفى لهم أحسن الأمور وأفضلها وأولاها والأحسن والأولى بالنبي أن لا يكل أمره إذا ابتلي ببلاء إلا إلى ربه ، ولا يعتضد إلا به ، خصوصًا إذا كان المعتضد به كافرًا؛ لئلا يشمت به الكفار ويقولوا لو كان هذا على الحق وكان له رب يغيثه لما استغاث بنا . وعن الحسن أنه كان يبكي إذا قرأها ويقول: نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت