فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 3341

{ أَتَأْمُرُونَ } الهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجيب من حالهم . والبرّ سعة الخير والمعروف . ومنه البر لسعته ، ويتناول كل خير . ومنه قولهم: صدقت وبررت . وكان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد A ولا يتبعونه . وقيل: كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدّقون ، وإذا أتوا بصدقات ليفرّقوها خانوا فيها . وعن محمد بن واسع: بلغني أنّ ناسًا من أهل الجنة اطلعوا على ناس من أهل النار فقالوا لهم: قد كنتم تأمروننا بأشياء عملناها فدخلنا الجنة . قالوا: كنا نأمركم بها ونخالف إلى غيرها { وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ } وتتركونها من البر كالمنسيات { وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكتاب } تبكيت مثل قوله: { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } يعني تتلون التوراة وفيها نعت محمد A ، أو فيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } توبيخ عظيم بمعنى: أفلا تفطنون ، لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه ، وكأنكم في ذلك مسلوبو العقول لأن العقول تأباه وتدفعه . ونحوه: { أُفّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } [ الأنبياء: 67 ] . { واستعينوا } على حوائجكم إلى الله { بالصبر والصلاة } أي بالجمع بينهما ، وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة ، محتملين لمشاقها وما يجب فيها من إخلاص القلب ، وحفظ النيات ، ودفع الوساوس ومراعاة الآداب ، والاحتراس من المكاره مع الخشية والخشوع ، واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات ، ليسأل فك الرقاب عن سخطه وعذابه . ومنه قوله تعالى: { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا } [ طه: 132 ] أو: واستعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها .

( 34 ) وكان رسول الله A «إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» وعن ابن عباس أنه نعى إليه أخوه «قُثَم» وهو في سفر ، فاسترجع وتنحى عن الطريق فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس ، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: واستعينوا بالصبر والصلاة ، وقيل: الصبر الصوم ، لأنه حبس عن المفطرات . ومنه قيل لشهر رمضان: شهر الصبر . ويجوز أن يراد بالصلاة الدعاء ، وأن يستعان على البلايا بالصبر ، والالتجاء إلى الدعاء ، والابتهال إلى الله تعالى في دفعه { وَإِنَّهَا } الضمير للصلاة أو للاستعانة . ويجوز أن يكون لجميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله: { اذكروا نِعْمَتِيَ } إلى { واستعينوا } . { لَكَبِيرَةٌ } لشاقة ثقيلة من قولك: كبر عليّ هذا الأمر ، { كبر على المشركين ما تدعوهم إليه } [ الشورى: 13 ] . فإن قلت: ما لها لم تثقل على الخاشعين والخشوع في نفسه مما يثقل؟ قلت: لأنهم يتوقعون ما ادّخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم . ألا ترى إلى قوله تعالى: { الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت