فهرس الكتاب

الصفحة 2185 من 3341

الحسبان لا يصح تعليقه بمعاني المفردات ، ولكن بمضامين الجمل . ألا ترى أنك لو قلت: حسبت زيدًا وظننت الفرس: لم يكن شيئًا حتى تقول: حسبت زيدًا عالمًا؛ وظننت الفرس جوادًا ، لأنّ قولك: زيد عالم ، أو الفرس جواد: كلام دال على مضمون ، فأردت الإخبار عن ذلك المضمون ثابتًا عندك على وجه الظن لا اليقين ، فلم تجد بدّا في العبارة عن ثباته عندك على ذلك الوجه ، من ذكر شطري الجملة مدخلًا عليهما فعل الحسبان ، حتى يتم لك غرضك . فإن قلت: فأين الكلام الدال على المضمون الذي يقتضيه الحسبان في الآية؟ قلت: هو في قوله: { أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } وذلك أن تقديره: أحسبوا تركهم غير مفتونين ، لقولهم: آمنا ، فالترك أول مفعولي حسب؛ ولقولهم: آمنا ، هو الخبر . وأما «غير مفتونين» فتتمة الترك ، لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير ، كقوله:

فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّبَاعِ يَنُشْنَهُ ... ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان ، تقدر أن تقول: تركهم غير مفتونين ، لقولهم: آمنا ، على تقدير: حاصل ومستقر ، قبل اللام . فإن قلت: { أَن يَقُولُواْ } هو علة تركهم غير مفتونين ، فكيف يصح أن يقع خبر مبتدأ؟ قلت: كما تقول خروجه لمخافة الشر ، وضربه للتأديب ، وقد كان التأديب والمخافة في قولك: خرجت مخافة الشر ، وضربته تأديبًا: تعليلين . وتقول أيضًا: حسبت خروجه لمخافة الشر ، وظننت ضربه للتأديب ، فتجعلهما مفعولين كما جعلتهما مبتدأ وخبرًا . والفتنة: الامتحان بشدائد التكليف: من مفارقة الأوطان ، ومجاهدة الأعداء ، وسائر الطاعات الشاقة ، وهجر الشهوات والملاذ ، وبالفقر؛ والقحط ، وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ، وبمصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم وضرارهم . والمعنى: أحسب الذين أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم وأظهروا القول بالإيمان: أنهم يتركون بذلك غير ممتحنين ، بل يمحنهم الله بضروب المحن ، حتى يبلو صبرهم ، وثبات أقدامهم ، وصحة عقائدهم ، ونصوع نياتهم ، ليتميز المخلص من غير المخلص ، والراسخ في الدين من المضطرب ، والمتمكن من العابد على حرف ، كما قال: { لتبلونّ في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيرًا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور } [ آل عمران: 186 ] وروي أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله A قد جزعوا من أذى المشركين . وقيل في عمار بن ياسر: وكان يعذب في الله . وقيل: في ناس أسلموا بمكة ، فكتب إليهم المهاجرون: لا يقبل منكم إسلامكم حتى تهاجروا ، فخرجوا فتبعهم المشركون فردّوهم ، فلما نزلت كتبوا بها إليهم؛ فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم ، فمنهم من قتل ومنهم من نجا . وقيل: في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب Bه ، وهو أوّل قتيل من المسلمين يوم بدر ، رماه عامر بن الحضرمي فقال رسول الله A:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت