فهرس الكتاب

الصفحة 1182 من 3341

ثم أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه ، لئلا يكون لها مزكيًا وبحالها في الأمانة معجبًا ومفتخرًا ، كما قال رسول الله A .

( 550 ) « أنا سيد ولد آدم ولا فخر » وليبين أنّ ما فيه من الأمانة ليس به وحده ، وإنما هو بتوفيق الله ولطفه وعصمته فقال { وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى } من الزلل ، وما أشهد لها بالبراءة الكلية ولا أزكيها . ولا يخلو ، إمّا أن يريد في هذه الحادثة ، لما ذكرنا من الهمّ الذي هو ميل النفس عن طريق الشهوة البشرية لا عن طريق القصد والعزم . وإمّا أن يريد به عموم الأحوال { إِنَّ النفس لامَّارَةٌ بالسوء } أراد الجنس ، أي إنّ هذا الجنس يأمر بالسوء ويحمل عليه بما فيه من الشهوات { إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة . ويجوز أن يكون { مَا رَحِمَ } في معنى الزمن ، أي: إلا وقت رحمة ربي ، يعني أنها أمّارة بالسوء في كل وقت وأوان ، إلا وقت العصمة . ويجوز أن يكون استثناء منقطعًا ، أي: ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة ، كقوله: { وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ إِلاَّ رَحْمَةً } [ يس: 43 ] وقيل معناه: ذلك ليعلم أني لم أخنه لأنّ المعصية خيانة . وقيل: هو من كلام امرأة العزيز ، أي ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة وجئت بالصحيح والصدق فيما سئلت عنه وما أبريء نفسي مع ذلك من الخيانة ، فإني قد خنته حين قرفته وقلت ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يسجن وأودعته السجن - تريد الاعتذار مما كان منها - إنّ كل نفس لأمّارة بالسوء إلا ما رحم ربي: إلا نفسًا رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف { إِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ } استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت . فإن قلت: كيف صح أن يجعل من كلام يوسف ولا دليل على ذلك؟ قلت: كفى بالمعنى دليلًا قائدًا إلى أن يجعل من كلامه ونحوه قوله: { قَالَ الملا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ } [ الشعراء: 35 ] ثم قال: { فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } [ الشعراء: 35 ] وهو من كلام فرعون يخاطبهم ويستشيرهم . وعن ابن جريج: هذا من تقديم القرآن وتأخيره ، ذهب إلى أن { ذلك لِيَعْلَمَ } [ يوسف: 52 ] متصل بقوله: { فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن } [ يوسف: 50 ] ولقد لفقت المبطلة روايات مصنوعة ، فزعموا أن يوسف حين قال: { أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } [ يوسف: 52 ] قال له جبريل: ولا حين هممت بها ، وقالت له امرأة العزيز: ولا حين حللت تكة سراويلك يا يوسف ، وذلك لتهالكهم على بهت الله ورسله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت