{ بَرَآءَةٌ } خبر مبتدأ محذوف أي هذه براءة و { مِّنَ } لابتداء الغاية ، متعلق بمحذوف وليس بصلة ، كما في قولك: برئت من الدين . والمعنى: هذه براءة واصلة من الله ورسوله { إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ } كما يقال: كتاب من فلان إلى فلان . ويجوز أن يكون { بَرَآءَةٌ } مبتدأ لتخصيصها بصفتها ، والخبر { إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ } كما تقول: رجل من بني تميم في الدار وقرىء «براءة» بالنصب ، على: اسمعوا براءة وقرأ أهل نجران «مِن الله» بكسر النون والوجه الفتح مع لام التعريف لكثرته . والمعنى أن الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين وأنه منبوذ إليهم . فإن قلت: لم علقت البراءة بالله ورسوله والمعاهدة بالمسلمين؟ قلت: قد أذن الله في معاهدة المشركين أوّلًا فاتفق المسلمون مع رسول الله A وعاهدوهم ، فلما نقضوا العهد أوجب الله تعالى النبذ إليهم ، فخوطب المسلمون بما [ تجّدد ] من ذلك فقيل لهم: اعلموا أنّ الله ورسوله قد برئا مما عاهدتم به المشركين . وروي أنهم عاهدوا المشركين من أهل مكة وغيرهم من العرب ، فنكثوا إلا ناسًا منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة فنبذ العهد إلى الناكثين ، وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين شاؤا لا يتعرض لهم ، وهي الأشهر الحرم في قوله: { فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم } وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها .
( 441 ) وكان نزولها سنة تسع من الهجرة وفتح مكة سنة ثمان ، وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد ، فأمّر رسول الله A أبا بكر Bه على موسم سنة تسع ، ثم أتبعه عليًا Bه راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم ، فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر Bه؟ فقال: لا يؤدي عني إلا رجل مني ، فلما دنا عليّ سمع أبو بكر الرغاء ، فوقف ، وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله A ، فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟ قال: مأمور . وروي:
( 442 ) أنّ أبا بكر لما كان ببعض الطريق هبط جبريل عليه السلام فقال: يا محمد ، لا يبلغنّ رسالتك إلا رجل منك ، فأرسل عليًا ، فرجع أبو بكر Bهما إلى رسول الله A فقال: يا رسول الله ، أشيء نزل من السماء قال:"نعم ، فسر وأنت على الموسم ، وعليّ ينادي بالآي"فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر Bه وحدثهم عن مناسكهم ، وقام علي Bه يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا أيها الناس ، إني رسول رسول الله إليكم . فقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية .