فهرس الكتاب

الصفحة 2398 من 3341

استعير الفتح للإطلاق والإرسال . ألا ترى إلى قوله: { فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ } مكان: لا فاتح له ، يعني: أي شيء يطلق الله من رحمة أي من نعمة رزق أو مطر أو صحة أو أمن أو غير ذلك من صنوف نعمائه التي لا يحاط بعددها ، وتنكيره الرحمة للإشاعة والإبهام ، كأنه قال: من أية رحمة كانت سماوية أو أرضية ، فلا أحد يقدر على إمساكها وحبسها ، وأيّ شيء يمسك الله فلا أحد يقدر على إطلاقه . فإن قلت: لم أنث الضمير أوّلًا ، ثم ذكر آخرًا؟ وهو راجع في الحالين إلى الاسم المتضمن معنى الشرط؟ قلت: هما لغتان: الحمل على المعنى وعلى اللفظ ، والمتكلم على الخيرة فيهما ، فأنث على معنى الرحمة ، وذكر على أن لفظ المرجوع إليه لا تأنيث فيه ، ولأن الأوّل فسر بالرحمة ، فحسن اتباع الضمير التفسير ، ولم يفسر الثاني فترك على أصل التذكير وقرىء: «فلا مرسل لها» . فإن قلت: لا بدّ للثاني من تفسير ، فما تفسيره؟ قلت: يحتمل أن يكون تفسيره مثل تفسير الأول . ولكنه ترك لدلالته عليه ، وأن يكون مطلقًا في كل ما يمسكه من غضبه ورحمته ، وإنما فسر الأوّل دون الثاني للدلالة على أن رحمته سبقت غضبه . فإن قلت: فما تقول فيمن فسر الرحمة بالتوبة وعزاه إلى ابن عباس Bهما؟ قلت: إن أراد بالتوبة الهداية لها والتوفيق فيها - وهو الذي أراده ابن عباس Bهما إن قاله - فمقبول؛ وإن إراد أنه إن شاء أن يتوب العاصي تاب ، وإن لم يشأ لم يتب؛ فمردود؛ لأنّ الله تعالى يشاء التوبة أبدًا ، ولا يجوز عليه أن يشاءها { مِن بَعْدِهِ } من بعد إمساكه ، كقوله تعالى: { فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله } [ الجاثية: 23 ] ، { فَبِأَىّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله } [ الجاثية: 6 ] أي من بعد هدايته وبعد آياته { وَهُوَ العزيز } الغالب القادر على الإرسال والإمساك { الحكيم } الذي يرسل ويمسك ما تقتضي الحكمة إرساله وإمساكه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت