فهرس الكتاب

الصفحة 509 من 3341

لما استقر بنو إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله بالمسير إلى أريحاء أرض الشام وكان يسكنها الكنعانيون الجبابرة ، وقال لهم: إني كتبتها لكم دارًا قرارًا ، فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها ، وإني ناصركم ، وأمر موسى عليه السلام بأن يأخذ من كل سبط نقيبًا يكون كفيلًا على قومه بالوفاء بما أمروا به توثقة عليهم ، فاختار النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل ، وتكفل لهم به النقباء وسار بهم ، فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون ، فرأوا أجرامًا عظيمة وقوّة وشوكة فهابوا ورجعوا وحدّثوا قومهم وقد نهاهم موسى عليه السلام أن يحدثوهم ، فنكثوا الميثاق ، إلا كالب بن يوفنا من سبط يهوذا ، ويوشع بن نون من سبط أفراثيم بن يوسف ، وكانا من النقباء . والنقيب: الذي ينقب عن أحوال القوم ويفتش عنها ، كما قيل له: عريف ، لأنه يتعرفها { إِنّى مَعَكُمْ } أي ناصركم ومعينكم { وعزرتموهم } نصرتموهم من أيدي العدوّ . ومنه التعزير ، وهو التنكيل والمنع من معاودة الفساد . وقرىء بالتخفيف يقال: عزرت الرجل إذا حطته وكنفته . والتعزير والتأزير من واد واحد . ومنه: لأنصرنك نصرًا مؤزرًا ، أي قويًا . وقيل معناه: ولقد أخذنا ميثاقهم بالإيمان والتوحيد وبعثنا منهم اثني عشر ملكًا يقيمون فيهم العدل ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر . واللام في { لَئِنْ أَقَمْتُمُ } موطئة للقسم وفي { لأَكَفِّرَنَّ } جواب له ، وهذا الجواب سادّ مسدّ جواب القسم والشرط جميعًا { بَعْدَ ذَلِكَ } بعد ذلك الشرط المؤكد المعلق بالوعد العظيم . فإن قلت: من كفر قبل ذلك أيضًا فقد ضلّ سواء السبيل . قلت: أجل ، ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم ، لأنّ الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة المكفورة ، فإذازادت النعمة زاد قبح الكفر وتمادى { لعناهم } طردناهم وأخرجناهم من رحمتنا . وقيل: مسخناهم . وقيل: ضربنا عليهم الجزية { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قاسية } خذلناهم ومنعناهم الألطاف حتى قست قلوبهم . أو أملينا لهم ولم نعاجلهم بالعقوبة حتى قست . وقرأ عبد الله: «قسيَّة» ، أي ردية مغشوشة ، من قولهم: درهم قسيّ وهو من القسوة؛ لأن الذهب والفضة الخالصين فيهما لين والمغشوش فيه يبس وصلابة ، والقاسي والقاسح - بالحاء - أخوان في الدلالة على اليبس والصلابة وقرىء: «قسية» ، بكسر القاف للإتباع { يُحَرّفُونَ الكلم } بيان لقسوة قلوبهم ، لأنه لا قسوة أشدّ من الافتراء على الله وتغيير وحيه { وَنَسُواْ حَظَّا } وتركوا نصيبًا جزيلًا وقسطًا وافيًا { مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ } من التوراة ، يعني أن تركهم وإعراضهم عن التوراة إغفال حظ عظيم ، أو قست قلوبهم وفسدت فحرّفوا التوراة وزالت أشياء منها عن حفظهم . وعن ابن مسعود Bه: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية . وتلا هذه الآية . وقيل: تركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد A وبيان نعته { وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ } أي هذه عادتهم وهجيراهم وكان عليها أسلافهم كانوا يخونون الرسل وهؤلاء يخونونك ينكثون عهودك ويظاهرون المشركين على حربك ويهمون بالفتك بك وأن يسموك { على خَائِنَةٍ } على خيانة ، أو على فعلة ذات خيانة ، أو على نفس ، أو فرقة خائنة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت