فهرس الكتاب

الصفحة 811 من 3341

{ واتل عَلَيْهِمْ } على اليهود { واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذى ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ مِنْهَا } هو عالم من علماء بني إسرائيل . وقيل: من الكنعانيين ، اسمه بلعم بن باعوراء أوتي علم بعض كتب الله { فانسلخ مِنْهَا } من الآيات ، بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره { فَأَتْبَعَهُ الشيطان } فلحقه الشيطان وأدركه وصار قرينًا له . أو فأتبعه خطواته . وقرىء: «فاتبعه» بمعنى فتبعه { فَكَانَ مِنَ الغاوين } فصار من الضالين الكافرين . روي أن قومه طلبوا إليه أن يدعو على موسى ومن معه فأبى وقال: كيف أدعو على من معه الملائكة ، فألحوا عليه ولم يزالوا به حتى فعل { وَلَوْ شِئْنَا لرفعناه بِهَا } لعظمناه ورفعناه إلى منازل الأبرار من العلماء بتلك الآيات { ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض } مال إلى الدنيا ورغب فيها . وقيل: مال إلى السفالة . فإن قلت: كيف علق رفعه بمشيئة الله تعالى ولم يعلق بفعله الذي يستحق به الرفع قلت المعنى . ولو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها . وذلك أن مشيئة الله تعالى رفعه تابعة للزومه الآيات فذكرت المشيئة . والمراد: ما هي تابعة له ومسببة عنه كأنه قيل: ولو لزمها لرفعناه بها . ألا ترى إلى قوله: { ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الارض } فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله ، فوجب أن يكون { وَلَوْ شِئْنَا } في معنى ما هو فعله ، ولو كان الكلام على ظاهره لوجب أن يقال: ولو شئنا لرفعناه ولكنا لم نشأ { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب } فصفته التي هي مثل في الخسّة والضعة كصفة الكلب في أخسّ أحواله وأذلها وهي حال دوام اللهث به واتصاله ، سواء حمل عليه - أي شدّ عليه وهيج فطرد - أو ترك غير متعرّض له بالحمل عليه . وذلك أنّ سائر الحيوان لا يكون منه اللهث إلاّ إذا هيج منه وحرّك ، وإلاّ لم يلهث ، والكلب يتصل لهثه في الحالتين جميعًا ، وكان حق الكلام أن يقال: ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض فحططناه ووضعنا منزلته ، فوضع قوله { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب } موضع حططناه أبلغ حط لأن تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في معنى ذلك . وعن ابن عباس Bه ، الكلب منقطع الفؤاد ، يلهث إن حمل عليه أو لم يحمل عليه . وقيل: معناه إن وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ضال ، كالكلب إن طردته فسعى لهث ، وإن تركته على حاله لهث . فإن قلت: ما محل الجملة الشرطية؟ قلت: النصب على الحال ، كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلًا دائم الذلة لاهثًا في الحالتين . وقيل: لما دعا بلعم على موسى عليه السلام خرج لسانه فوقع على صدره ، وجعل يلهث كما يلهث الكلب { ذلك مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } من اليهود بعد ما قرؤا نعت رسول الله A في التوراة ، وذكر القرآن المعجز وما فيه ، وبشروا الناس باقتراب مبعثه ، وكانوا يستفتحون به { فاقصص } قصص بلعم الذي هو نحو قصصهم { لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } فيحذرون مثل عاقبته ، إذا ساروا نحو سيرته ، وزاغوا شبه زيغه ، ويعلمون أنك علمته من جهة الوحي فيزدادوا إيقانًا بك وتزداد الحجة لزومًا لهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت