فهرس الكتاب

الصفحة 2367 من 3341

قرىء: «فلما قضى عليه الموت» ودابة الأرض: الأرضة ، وهي الدويبة التي يقال لها السرفة والأرض فعلها ، فأضيفت إليه . يقال: أرضت الخشبة أرضًا . إذا أكلتها الأرضة . وقرىء بفتح الراء ، من أرضت الخشبة أرضًا ، وهو من باب فعلته ففعل ، كقولك: أكلت القوادح الأسنان أكلًا . فأكلت أكلًا والمنسأة: العصا . لأنه ينسأ بها ، أي: يطرد ويؤخر وقرىء: بفتح الميم وبتخفيف الهمزة قلبًا وحذفًا وكلاهما ليس بقياس ، ولكن إخراج الهمزة بين بين هو التخفيف القياسي . ومنساءته على مفعالة ، كما يقال في الميضأة ميضاءة . ومن سأته ، أي: من طرف عصاه ، سميت بسأة القوس على الاستعارة . وفيها لغتان ، كقولهم: قحة وقحة ، وقرىء: «أكلت منسأته» { تَبَيَّنَتِ الجن } من تبين الشيء إذا ظهر وتجلّى . و { أَن } مع صلتها بدل من الجن بدل الاشتمال ، كقولك: تبين زيد جهله: والظهور له في المعنى ، أي: ظهر أنّ الجن { لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الغيب مَا لَبِثُواْ فِى العذاب } أو علم الجن كلهم علمًا بينًا - بعد التباس الأمر على عامّتهم وضعفتهم وتوهّمهم - أنّ كبارهم يصدّقون في ادعائهم علم الغيب أو علم المدّعون علم الغيب منهم عجزهم ، وأنهم لا يعلمون الغيب وإن كانوا عالمين قبل ذلك بحالهم ، وإنما أريد التهكم بهم كما تتهكم بمدّعي الباطل إذا دحضت حجته وظهر إبطاله بقولك: هل تبينت أنك مبطل . وأنت تعلم أنه لم يزل كذلك متبينًا . وقرىء: «تبينت الجن» على البناء للمفعول ، على أنّ المتبين في المعنى هو { أَن } مع ما في صلتها ، لأنه بدل . وفي قراءة أبيّ: تبينت الإنس . وعن الضحاك: تباينت الأنس بمعنى تعارفت وتعالمت . والضمير في { كَانُواْ } للجن في قوله: { وَمِنَ الجن مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ } أي علمت الإنس أن لو كان الجن يصدقون فيما يوهمونهم من علمهم الغيب؛ ما لبثوا . وفي قراءة ابن مسعود Bه: «تبينت الإنس أنّ الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب» . روي أنه كان من عادة سليمان عليه السلام أن يعتكف في مسجد بيت المقدس المدد الطوال ، فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله ، فيسألها: لأي شيء أنت؟ فتقول لكذا ، حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة ، فسألها ، فقالت: نبت لخراب هذا المسجد: فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ ، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس ، فنزعها وغرسها في حائط له وقال: اللَّهم عم عن الجن موتي ، حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب . لأنهم كانوا يسترقون السمع ويموّهون على الإنس أنهم يعلمون الغيب ، وقال لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني ، فقال: أمرت بك وقد بقيت من عمرك ساعة؛ فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحًا من قوارير ليس له باب ، فقام يصلي متكئًا على عصاه ، فقبض روحه وهو متكىء عليها؛ وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه أينما صلّى ، فلم يكن شيطان ينظر إليه في صلاته إلاّ احترق فمرّ به شيطان فلم يسمع صوته ، ثم رجع فلم يسمع ، فنظر فإذا سليمان قد خرّ ميتًا ، ففتحوا عنه فإذا العصا قد أكلتها الأرضة ، فأرادوا أن يعرفوا وقت موته ، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها في يوم وليلة مقدارًا ، فحسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة ، وكانوا يعملون بين يديه ويحسبونه حيًا ، فأيقن الناس أنهم لو علموا الغيب لما لبثوا في العذاب سنة ، وروي أنّ داود عليه السلام أسس بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى عليه السلام ، فمات قبل أن يتمه ، فوصى به إلى سليمان ، فأمر الشياطين بإتمامه ، فلما بقي من عمره سنة سأل أن يعمى عليهم موته حتى يفرغوا منه ، ليبطل دعواهم علم الغيب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت