فهرس الكتاب

الصفحة 1998 من 3341

جمع الله له الاستجابتين معًا في قوله: { كَلاَّ فاذهبا } لأنه استدفعه بلاءهم فوعده الدفع بردعه عن الخوف ، والتمس منه الموازرة بأخيه فأجابه بقوله: { فاذهبا } أي اذهب أنت والذي طلبته وهو هارون . فإن قلت: علام عطف قوله: { فاذهبا } ؟ قلت: على الفعل الذي يدل عليه { كَلاَّ } كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظنّ ، فاذهب أنت وهارون . وقوله: { مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ } من مجاز الكلام ، يريد: أنا لكما ولعدوّكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه . فأظهركما وأُغلبكما وأكسر شوكته عنكما وأنكسه . ويجوز أن يكونا خبرين لأنّ ، أو يكون { مُّسْتَمِعُونَ } مستقرًا ، و { مَّعَكُمْ } لغوًا . فإن قلت: لم جعلت { مُّسْتَمِعُونَ } قرينة { مَّعَكُمْ } في كونه من باب المجاز ، والله تعالى يوصف على الحقيقة بأنه سميع وسامع؟ قلت: ولكن لا يوصف بالمستمع على الحقيقة؛ لأنّ الاستماع جار مجرى الإصغاء ، والاستماع من السمع بمنزلة النظر من الرؤية . ومنه قوله تعالى: { قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مّنَ الجن فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءانًَا عَجَبًا } [ الجن: 1 ] ويقال: استمع إلى حديثه وسمع حديثه ، أي: أصغى إليه وأدركه بحاسة السمع . ومنه قوله A:

( 782 ) « منِ استمعَ إلى حديثِ قومٍ وهم لَه كَارهونَ صُبَّ في أذنيه البرمُ » فإن قلت: هلا ثنى الرسول كما ثنى في قوله: { إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } [ طه: 47 ] ؟ قلت: الرسول يكون بمعنى المرسل ، وبمعنى الرسالة ، فجعل ثم بمعنى المرسل فلم يكن بدّ من تثنيته ، وجعل ههنا بمعنى الرسالة فجاز التسوية فيه - إذا وصف به - بين الواحد والتثنية والجمع ، كما يفعل بالصفة بالمصادر ، نحو: صوم ، وزور . قال:

أَلِكْنِي إِلَيْهَا وَخَبْرٌ الرَّسُو ... لِ أَعْلَمُهُمْ بِنَوَاحِي الْخَبَرْ

فجعله للجماعة . والشاهد في الرسول بمعنى الرسالة قوله:

لَقَدْ كَذَبَ الوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُم ... بِسِرٍّ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ

ويجوز أن يوحد ، لأنّ حكمهما لتساندهما ، واتفاقهما على شريعة واحدة ، واتحادهما لذلك وللإخوة كان حكمًا واحدًا ، فكأنهما رسول واحد . أو أريد أنّ كل واحد منا { أَنْ أَرْسِلْ } بمعنى: أي أرسل؛ لتضمن الرسول معنى الإرسال . وتقول: أرسلت إليك أن أفعل كذا ، لما في الإرسال من معنى القول ، كما في المناداة والكتابة ونحو ذلك . ومعنى هذا الإرسال: التخلية والإطلاق كقولك: أرسل البازي ، يريد: خلهم يذهبوا معنا إلى فلسطين ، وكانت مسكنهما . ويروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة ، حتى قال البواب: إنّ ههنا إنسانًا يزعم أنه رسول رب العالمين ، فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه ، فأدّيا إليه الرسالة ، فعرف موسى فقال له: { أَلَمْ نُرَبّكَ } حذف: فأتيا فرعون فقالا له ذلك ، لأنه معلوم لا يشتبه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت