فهرس الكتاب

الصفحة 2774 من 3341

الأفاك: الكذاب ، والأثيم: المتبالغ في اقتراف الآثام { يُصِرُّ } يقبل على كفره ويقيم عليه . وأصله من إصرار الحمار على العانة وهو أن ينحى عليها صارًّا أذنيه { مُسْتَكْبِرًا } عن الإيمان بالآيات والإذعان لما ينطق به من الحق ، مزدريًا لها معجبًا بما عنده . قيل: نزلت في النضر بن الحرث وما كان يشتري من أحاديث الأعاجم ، ويشغل الناس بها عن استماع القرآن . والآية عامّة في كل ما كان مضارًّا لدين الله . فإن قلت: ما معنى ثم في قوله: { ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا } ؟ قلت: كمعناه في قول القائل:

يَرَى غَمَرَاتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها ... وذلك أنّ غمرات الموت حقيقة ، بأن ينجو رائيها بنفسه ويطلب الفرار عنها . وأمّا زيارتها والإقدام على مزاولتها . فأمر مستبعد ، فمعنى ثم: الإيذان بأن فعل المقدّم عليها بعدما رآها وعاينها؛ شيء يستعبد في العادات والطباع ، وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق ، من تليت عليه وسمعها: كان مستبعدًا في العقول إصراره على الضلالة عندها واستكباره عن الإيمان بها { كَأَن } مخففة ، والأصل كأنه لم يسمعها: والضمير ضمير الشأن ، كما في قوله:

كَأَنْ ظَبْيَةً تعطو إِلَى نَاضِرِ السَّلَمْ ... ومحل الجملة النصب على الحال . أي: يصر مثل غير السامع { وَإِذَا } بلغه شيء من آياتنا وعلم أنه منها { اتخذها } أي اتخذ الآيات { هُزُوًا } ولم يقل: اتخذه ، للإشعار بأنه إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات التي أنزلها الله تعالى على محمد A: خاض في الاستهزاء بجميع الآيات . ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه ، ويحتمل: وإذا علم من آياتنا شيئًا يمكن أن يتشبث به المعاند ويجد له محملًا يتسلق به على الطعن والغميزة: افترصه واتخذ آيات الله هزوًا ، وذلك نحو افتراص ابن الزبعري قوله D: { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء: 98 ] ومغالطته رسول الله A ، وقوله: خصتمك . ويجوز أن يرجع الضمير إلى شيء؛ لأنه في معنى الآية كقول أبي العتاهية:

نَفْسِي بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا مُعَلَّقَةٌ ... أللَّهُ وَالْقَائِمُ الْمَهْدِيُّ يَكْفِيَهَا

حيث أراد عتبة . وقرىء: «علم أولئك» إشارة إلى كل أفاك أثيم ، لشموله الأفاكين . والوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام . قال:

أَلَيْسَ وَرَائِي أَنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي ... أَدِبُّ مَعَ الْوِلْدَانِ أَزْحَفُ كَالنَّسْرِ

ومنه قوله D: { مِّن وَرَائِهِمْ } أي من قدّامهم { مَّا كَسَبُواْ } من الأموال في رحلهم ومتاجرهم { وَلاَ مَا اتخذوا مِن دُونِ الله } من الأوثان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت