{ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ } نصب عطف على { نِعْمَتِيَ } أي اذكروا نعمتي وتفضيلي { عَلَى العالمين } على الجم الغفير من الناس ، كقوله تعالى: { بَارَكْنَا فِيهَا للعالمين } [ الأنبياء: 71 ] يقال: رأيت عالمًا من الناس يراد الكثرة { يَوْمًا } يريد يوم القيامة { لاَّ تَجْزِى } لا تقضي عنها شيئًا من الحقوق . ومنه الحديث في جذعة بن نيار:
( 37 ) «تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك» و { شَيْئًا } مفعول به ويجوز أن يكون في موضع مصدر ، أي قليلًا من الجزاء ، كقوله تعالى: { وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئًا } [ مريم: 60 ] ومن قرأ «لا تجزىء» من أجزأ عنه إذا أغنى عنه ، فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئًا من الإجزاء . وقرأ أبو السرار الغنوي: «لا تجزي نسمة عن نسمة شيئًا» . وهذه الجملة منصوبة المحل صفة ل ( يومًا ) . فإن قلت: فأين العائد منها إلى الموصوف؟ قلت: هو محذوف تقديره: لا تجزي فيه . ونحوه ما أنشده أبو علي:
تَرَوَّحِي أَجْدَرُ أَنْ تَقِيلِي
أي ماء أجدر بأن تقيلي فيه . ومنهم من ينزل فيقول: اتسع فيه ، فأجرى مجرى المفعول به فحذف الجار ثم حذف الضمير كما حذف من قوله: أم مال أصابوا . ومعنى التنكير أن نفسًا من الأنفس لا تجزي عن نفس منها شيئًا من الأشياء ، وهو الإقناط الكلي القطّاع للمطامع . وكذلك قوله: { وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } أي فدية لأنها معادلة للمفدى . ومنه الحديث:
( 38 ) "لا يقبل منه صرف ولا عدل"أي توبة ولا فدية . وقرأ قتادة: «ولا يَقْبَلُ منها شفاعةً» على بناء الفعل للفاعل وهو الله D ، ونصب الشفاعة . وقيل: كانت اليهود تزعم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا . فإن قلت: هل فيه دليل على أنّ الشفاعة لا تقبل للعصاة؟ قلت: نعم ، لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقًا أخلت به من فعل أو ترك ، ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع فعلم أنها لا تقبل للعصاة . فإن قلت: الضمير في { وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا } إلى أي النفسين يرجع؟ قلت: إلى الثانية العاصية غير المجزى عنها ، وهي التي لا يؤخذ منها عدل . ومعنى لا يقبل منها شفاعة: إن جاءت بشفاعة شفيع لم يقبل منها . ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى ، على أنه لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها ، كما لا تجزئ عنها شيئًا ، ولو أعطت عدلًا عنها لم يؤخذ منها { وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } يعني ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة والتذكير بمعنى العباد والأناسي ، كما تقول: ثلاثة أنفس .