فهرس الكتاب

الصفحة 3148 من 3341

{ واتبعوا } رؤسهم المقدمين أصحاب الأموال والأولاد ، وارتسموا ما رسموا لهم من التمسك بعبادة الأصنام ، وجعل أموالهم وأولادهم التي لم تزدهم إلا وجاهة ومنفعة في الدنيا زائدة { خَسَارًا } في الآخرة ، وأجرى ذلك مجرى صفة لازمة لهم وسمة يعرفون بها ، تحقيقًا له وتثبيتًا ، وإبطالًا لما سواه . وقرىء: «وولده» بضم الواو وكسرها { وَمَكَرُواْ } معطوف على لم يزده ، وجمع الضمير وهو راجع إلى من؛ لأنه في معنى الجمع والماكرون: هم الرؤساء ومكرهم: احتيالهم في الدين وكيدهم لنوح ، وتحريش الناس على أذاه ، وصدّهم عن الميل إليه والاستماع منه . وقولهم لهم: لانذرنّ آلهتكم إلى عبادة رب نوح { مَكْرًا كُبَّارًا } قرىء بالتخفيف والتثقيل . والكبار كبر من الكبير والكبار أكبر من الكبار ، ونحوه: طوال وطوّال { وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا } كأن هذه المسميات كانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم ، فخصوها بعد قولهم { لاَ تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمْ } وقد انتقلت هذه الأصنام عن قوم نوح إلى العرب ، فكان ودّ لكلب ، وسواع لهمذان ، ويغوث لمذحج ، ويعوق لمراد ، ونسر لحمير؛ ولذلك سمت العرب بعبد ودّ وعبد يغوث ، وقيل هي أسماء رجال صالحين . وقيل: من أولاد آدم ماتوا ، فقال إبليس لمن بعدهم: لو صورتم صورهم فكنتم تنظرون إليهم ، ففعلوا؛ فلما مات أولئك قال لمن بعدهم: إنهم كانوا يعبدونهم؛ فعبدوهم . وقيل: كان ودّ على صورة رجل ، وسواع على صورة امرأة ، ويغوث على صورة أسد ، ويعوق على صورة فرس ، ونسر على صورة نسر . وقرىء «ودّا» بضم الواو . وقرأ الأعمش «ولا يغوثا ويعوقا» بالصرف ، وهذه قراءة مشكلة ، لأنهما إن كانا عربيين أو عجميين ففيهما سببا منع الصرف: إما التعريف ووزن الفعل ، وإما التعريف والعجمة؛ ولعله قصد الازدواج فصرفهما ، لمصادفته أخواتهما منصرفات ودا وسواعًا ونسرًا ، كما قرىء: «وضحاها» بالإمالة ، لوقوعه مع الممالات للازدواج { وَقَدْ أَضَلُّواْ } الضمير للرؤساء . ومعناه: وقد أضلوا { كَثِيرًا } قبل هؤلاء الموصين بأن يتمسكوا بعبادة الأصنام ليسوا بأوّل من أضلوهم . أو وقد أضلوا بإضلالهم كثيرًا ، يعني أنّ هؤلاء المضلين فيهم كثرة . ويجوز أن يكون للأصنام ، كقوله تعالى: { إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس } [ إبراهيم: 36 ] . فإن قلت: علام عطف قوله: { وَلاَ تَزِدِ الظالمين } ؟ قلت: على قوله: { رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِى } على حكاية كلام نوح عليه السلام بعد { قَالَ } وبعد الواو النائبة عنه: ومعناه قال رب إنهم عصوني ، وقال: لا تزد الظالمين إلا ضلالًا ، أي: قال هذين القولين وهما في محل النصب ، لأنهما مفعولا «قال» كقولك: قال زيد نودي للصلاة وصل في المسجد؛ تحكى قوليه معطوفًا أحدهما على صاحبه . فإن قلت: كيف جاز أن يريد لهم الضلال ويدعو الله بزيادته؟ قلت: المراد بالضلال: أن يخذلوا ويمنعوا الألطاف ، لتصميمهم على الكفر ووقوع اليأس من إيمانهم ، وذلك حسن جميل يجوز الدعاء به ، بل لا يحسنَ الدعاء بخلافه . ويجوز أن يريد بالضلال: الضياع والهلاك ، لقوله تعالى: { وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ تَبَارًا } [ نوح: 28 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت