{ وكذلك بعثناهم } وكما أنمناهم تلك النومة كذلك بعثناهم ، إدكارًا بقدرته على الإنامة والبعث جميعًا ليسأل بعضهم بعضًا ويعرفوا حالهم وما صنع الله بهم ، فيعتبروا ، ويستدلوا على عظم قدرة الله تعالى ويزدادوا يقينًا ، ويشكروا ما أنعم الله به عليهم وكرموا به { قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } جواب مبني على غالب الظن . وفيه دليل على جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب ، وأنه لا يكون كذبًا وإن جاز أن يكون خطأ { قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ } إنكار عليهم من بعضهم ، وأن الله أعلم بمدّة لبثهم ، كأنّ هؤلاء قد علموا بالأدلة أو بإلهام من الله أنّ المدة متطاولة ، وأنّ مقدارها مبهم لا يعلمه إلا الله . وروي أنهم دخلوا الكهف غدوة وكان انتباههم بعد الزوال ، فظنوا أنهم في يومهم ، فلما نظروا إلى طول أظفارهم وأشعارهم قالوا ذلك . فإن قلت: كيف وصلوا قولهم { فابعثوا } بتذاكر حديث المدة؟ قلت: كأنهم قالوا: ربكم أعلم بذلك ، لا طريق لكم إلى علمه ، فخذوا في شيء آخر مما يهمكم . والورق: الفضة ، مضروبة كانت أو غير مضروبة . ومنه الحديث .
( 641 ) "أنّ عرفجة أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفًا من ورق فأنتن ، فأمره رسول الله A أن يتخذ أنفًا من ذهب"وقرىء: «بورْقكم» بسكون الراء والواو مفتوحة أو مكسورة . وقرأ ابن كثير «بورِقكم» ، بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف . وعن ابن محيصن أنه كسر الواو وأسكن الراء وأدغم ، وهذا غير جائز لالتقاء الساكنين لا على حده . وقيل: المدينة طرسوس . قالوا: وتزوّدهم ما كان معهم من الورق عند فرارهم: دليل على أنّ حمل النفقة وما يصلح المسافر هو رأي المتوكلين على الله ، دون المتكلين على الاتفاقات وعلى ما في أوعية القوم من النفقات . ومنه قول عائشة Bها - لمن سألها عن محرم يشدّ عليه هميانه -: أوثق عليك نفقتك . وما حكي عن بعض صعاليك العلماء أنه كان شديد الحنين إلى أن يرزق حج بيت الله ، وتعولم منه ذلك ، فكانت مياسير أهل بلده كلما عزم منهم فوج على حج أتوه فبذلوا له أن يحجوا به وألحوا عليه ، فيعتذر إليهم ويحمد إليهم بذلهم ، فإذا انفضوا عنه قال لمن عنده: ما لهذا السفر إلا شيئان: شدّ الهميان ، والتوكل على الرحمن { بَيْنَهُمْ } أيّ أهلها ، فحذف الأهل كما في قوله { واسئل القرية } [ يوسف: 82 ] ، { أزكى طَعَامًا } أحلّ وأطيب وأكثر وأرخص { وَلْيَتَلَطَّفْ } وليتكلف اللطف والنيقة فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن . أو في أمر التخفي حتى لا يعرف { وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا } يعني: ولا يفعلنّ ما يؤدي من غير قصد منه إلى الشعور بنا ، فسمى ذلك إشعارًا منه بهم؛ لأنه سبب فيه الضمير في { إِنَّهُمْ } راجع إلى الأهل المقدر في { أَيُّهَا } . { يَرْجُمُوكُمْ } يقتلوكم أخبث القتلة وهي الرجم ، وكانت عادتهم { أَوْ يُعِيدُوكُمْ } أو يدخلوكم { فِى مِلَّتِهِمْ } بالإكراه العنيف ويصيروكم إليها . والعود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم ، يقولون: ما عدت أفعل كذا ، يريدون ابتداء الفعل { وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا } إذ دخلتم في دينهم .