فهرس الكتاب

الصفحة 1641 من 3341

الوحي إلى أم موسى: إما أن يكون على لسان نبيّ في وقتها ، كقوله تعالى: { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين } [ المائدة: 111 ] أو يبعث إليها ملكا لا على وجه النبوة ، كما بعث إلى مريم . أو يريها ذلك في المنام فتتنبه عليه أو يلهمها كقوله تعالى: { وأوحى رَبُّكَ إلى النحل } [ النحل: 68 ] أي أوحينا إليها أمرًا لا سبيل إلى التوصل إليه ولا إلى العلم به إلا بالوحي ، وفيه مصلحة دينية فوجب أن يوحي ولا يخلّ به ، أي: هو مما يوحى لا محالة وهو أمر عظيم ، مثله يحق بأن يوحي { أَنِ } هي المفسرة لأن الوحي بمعنى القول . القذف مستعمل في معنى الإلقاء والوضع . ومنه قوله تعالى: { وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرعب } [ الأحزاب: 26 ] وكذلك الرمي قال:

غُلاَمٌ رَمَاهُ اللَّهُ بِالْحُسْنِ يَافِعَا ... أي حصل فيه الحسن ووضعه فيه ، والضمائر كلها راجعة إلى موسى . ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت: فيه هجنة ، لما يؤدي إليه من تنافر النظم . فإن قلت: المقذوف في البحر هو التابوت ، وكذلك الملقى إلى الساحل . قلت: ما ضرّك لو قلت: المقذوف والملقى هو موسى في جوف التابوت؟ حتى لا تفرق الضمائر فيتنافر عليك النظم الذي هو أم إعجاز القرآن والقانون الذي وقع عليه التحدّي ، ومراعاته أهم ما يجب على المفسر . لما كانت مشيئة الله تعالى وإرادته أن لا تخطيء جرية ماء اليم الوصول به إلى الساحل وألقاه إليه ، سلك في ذلك سبيل المجاز ، وجعل اليم كأنه ذو تمييز ، أمر بذلك ليطيع الأمر ويمتثل رسمه ، فقيل { فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل } روي أنها جعلت في التابوت قطنًا محلوجًا ، فوضعته فيه وجصصته وقيرته ، ثم ألقته في اليم وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير ، فبينا هو جالس على رأس بركة مع آسية إذا بالتابوت ، فأمر به فأخرج ففتح ، فإذا صبيّ أصبح الناس وجهًا ، فأحبه عدوّ الله حبًا شديدًا لا يتمالك أن يصبر عنه . وظاهر اللفظ [ على ] أنّ البحر ألقاه بساحله وهو شاطئه: لأنّ الماء يسحله أي يقشره وقذف به ثمة فالتقط من الساحل ، إلا أن يكون قد ألقاه اليم بموضع من الساحل فيه فوّهة نهر فرعون ، ثم أدّاه النهر إلى حيث البركة [ وألقيت عليك محبة مني ] { مِّنِّى } لا يخلو إما أن يتعلق بألقيت ، فيكون المعنى على: أني أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب . وإما أن يتعلق بمحذوف هو صفة لمحبة ، أي: محبة حاصلة أو واقعة مني ، قد ركزتها أنا في القلوب وزرعتها فيها ، فلذلك أحبك فرعون وكل من أبصرك . روي: أنه كانت على وجهه مسحة جمال ، وفي عينيه ملاحة ، لا يكاد يصبر عنه من رآه { وَلِتُصْنَعَ على عينى } لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك وراقبك ، كما يراعي الرجل الشيء بعينيه إذا اعتنى به ، وتقول للصانع: اصنع هذا على عيني أنظر إليك لئلا تخالف به عن مرادي وبغيتي . ولتصنع: معطوف على علة مضمرة ، مثل: ليتعطف عليك وترأم ونحوه . أو حذف معلله ، أي: ولتصنع فعلت ذلك . وقريء: «ولتصنع» و ( لتصنع ) ، بكسر اللام وسكونها . والجزم على أنه أمر وقرىء: «ولتصنع» بفتح التاء والنصب ، أي: وليكون عملك وتصرفك على عين مني .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت