فهرس الكتاب

الصفحة 3080 من 3341

خص النبي A بالنداء وعم بالخطاب؛ لأنّ النبي إمام أمّته وقدوتهم ، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت ، إظهارًا لتقدّمه واعتبارًا لترؤسه ، وأنه مدرهُ قومه ولسانهم ، والذي يصدرون عن رأيه ولا يستبدون بأمر دونه ، فكان هو وحده في حكم كلهم ، وسادًّا مسدّ جميعهم . ومعنى { إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء } إذا أردتم تطليقهنّ وهممتم به على تنزيل المقبل على الأمر المشارف له منزلة الشارع فيه: كقوله عليه السلام:

( 1193 ) « من قتل قتيلًا فله سلبه » ومنه كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلي { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } فطلقوهن مستقبلات لعدتهن ، كقولك: أتيته لليلة بقيت من المحرم ، أي: مستقبلًا لها . وفي قراءة رسول الله A: في قُبلِ عدتهنّ ، وإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم للقرء الأوّل من أقرائها ، فقد طلقت مستقبلة لعدتها . والمراد: أن يطلقن في طهر لم يجامعن فيه ، ثم يخلين حتى تنقضى عدّتهن . وهذا أحسن الطلاق وأدخله في السنة وأبعده من الندم ، ويدل عليه ما روي عن إبراهيم النخعي أنّ أصحاب رسول الله A كانوا يستحبون أن لا يطلقوا أزواجهم للسنة إلا واحدة ، ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدّة ، وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثًا في ثلاثة أطهار . وقال مالك بن أنس Bه: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة ، وكان يكره الثلاث مجموعة كانت أو متفرقة . وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحد في طهر واحد ، فأما مفرقًا في الأطهار فلا؛ لما روى عن رسول الله A أنه قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض:

( 1194 ) « ما هكذا أمرك الله ، إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالًا ، وتطلقها لكل قرء تطليقة » وروى أنه قال لعمر:

( 1195 ) « مر ابنك فليراجعها ، ثم ليدعها حتى تحيض ثم تطهر ، ثم ليطلقها إن شاء؛ فتلك العدّة التي أمر الله أن تطلق لها النساء » . وعند الشافعي Bه: لا بأس بإرسال الثلاث ، وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح . فما لك تراعي في طلاق السنة الواحدة والوقت؛ وأبو حنيفة يراعي التفريق والوقت؛ والشافعي يراعي الوقت وحده . فإن قلت: هل يقع الطلاق المخالف للسنة؟ قلت: نعم ، وهو آثم؛ لما روي عن النبي A:

( 1196 ) أنّ رجلًا طلق امرأته ثلاثًا بين يديه ، فقال لا « أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم » وفي حديث ابن عمر أنه قال:

( 1197 ) يا رسول الله ، أرأيت لو طلقتها ثلاثًا ، فقال له:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت