فإن قلت: أين جواب القسم؟ قلت: محذوف يدل عليه قوله: { قُتِلَ أصحاب الاخدود } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء أنهم ملعونون ، يعني كفار قريش كما لعن أصحاب الأخدود؛ وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة ، وتذكيرهم بما جرى على من تقدّمهم: من التعذيب على الإيمان . وإلحاق أنواع الأذى ، وصبرهم وثباتهم ، حتى يأنسوا بهم ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم ، ويعلموا أن كفارهم عند الله بمنزلة أولئك المعذبين المحرّقين بالنار ، ملعونون أحقاء بأن يقال فيهم: قتلت قريش ، كما قيل: قتل أصحاب الأخدود وقتل: دعاء عليهم ، كقوله: { قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ } [ عبس: 17 ] وقرىء «قتل» بالتشديد . والأخدود: الخدّ في الأرض وهو الشق ، ونحوهما بناء ومعنى: الخق والأخقوق . ومنه فساخت قوائمه في أخاقيق جرذان . روي عن النبي A أنه قال:
( 1284 ) "كان لبعض الملوك ساحر ، فلما كبر ضمّ إليه غلامًا ليعلمه السحر ، وكان في طريق الغلام راهب: فسمع منه ، فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس . فأخذ حجرًا فقال: اللهم إن كان الراهب أحبّ إليك من الساحر فاقتلها فقتلها؛ وكان الغلام بعد ذلك يبريء الأكمه والأبرص ، ويشفي من الأدواء ، وعمي جليس للملك فأبرأه فأبصره الملك فسأله فقال: من ردّ عليك بصرك؟ فقال: ربي ، فغضب فعذبه . فدل على الغلام فعذبه ، فدل على الراهب ، فلم يرجع الراهب عن دينه ، فقدّ بالمنشار وأبي الغلام فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته ، فدعا فرجف بالقوم ، فطاحوا ونجا ، فذهب به إلى قرقور فلججوا به ليغرقوه ، فدعا فانكفأت بهم السفينة ، فغرقوا ونجا ، فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهمًا من كنانتي وتقول: بسم الله رب الغلام ، ثم ترميني به ، فرماه فرقع في صدغه فوضع يده عليه ومات؛ فقال الناس: أمنا برب الغلام؛ فقيل للملك . نزل بك ما كنت تحذر؛ فأمر بأخاديد في أفواه السكك وأوقدت فيها النيران فمن لم يرجع منهم طرحه فيها حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيها ، فقال الصبي: يا أماه ، أصبري فإنك على الحق؛ فاقتحمت . وقيل: قال لها قعى ولا تنافقي . وقيل: قال لها ما هي إلا غميضة فصبرت"وعن علي Bه:
( 1285 ) أنهم حين اختفلوا في أحكام المجوس قال: هم أهل كتاب وكانوا متمسكين بكتابهم ، وكانت الخمر قد أحلت لهم ، فتناولها بعض ملوكهم فسكر ، فوقع على أخته فلما صحا ندم وطلب المخرج ، فقالت له: المخرج أن تخطب الناس فتقول: يا أيها الناس ، إنّ الله قد أحل نكاح الأخوات ، ثم تخطبهم بعد ذلك فتقول: إن الله حرّمه؛ فخطب فلم يقبلوا منه فقالت له: ابسط فيهم السوط؛ فلم يقبلوا؛ فقالت له: ابسط فيهم السيف ، فلم يقبلوا؛ فأمرته بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح من أبى فيها؛ فهم الذين أرادهم الله بقوله: { قُتِلَ أصحاب الاخدود ( 44 ) } وقيل: وقع إلى نجران رجل ممن كان على دين عيسى عليه السلام ، فدعاهم فأجابوه فسار إليهم ذو نواس اليهودي بجنود من حمير ، فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا ، فأحرق منهم اثني عشر ألفًا في الأخاديد .