فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 3341

فإن قلت: { والذين يُؤْمِنُونَ } أهم غير الأوّلين أم هم الأوّلون؟ وإنما وسط العاطف كما يوسط بين الصفات في قولك هو الشجاع والجواد ، وفي قوله:

إلَى المَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهممِ ... وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ في المُزْدَحمْ

وقوله:

يَا لَهْفَ زَيَّابَةَ لِلْحَارِثِ الصَّابِحِ فالغَانِم فَالآيِبِ ... قلت: يحتمل أن يراد بهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه من الذين آمنوا ، فاشتمل إيمانهم على كل وحي أنزل من عند الله ، وأيقنوا بالآخرة إيقانًا زال معه ما كانوا عليه من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى وأنّ النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودات ، واجتماعهم على الإقرار بالنشأة الأخرى وإعادة الأرواح في الأجساد ، ثم افتراقهم فرقتين: منهم من قال: تجري حالهم في التلذذ بالمطاعم والمشارب والمناكح على حسب مجراها في الدنيا؛ ودفعه آخرون فزعموا أن ذلك إنما احتيج إليه في هذه الدار من أجل نماء الأجسام ولمكان التوالد والتناسل ، وأهل الجنة مستغنون عنه فلا يتلذذون إلا بالنسيم والأرواح العبقة والسماع اللذيد والفرح والسرور ، واختلافهم في الدوام والانقطاع ، فيكون المعطوف غير المعطوف عليه . ويحتمل أن يراد وصف الأوّلين . ووسط العاطف على معنى أنهم الجامعون بين تلك الصفات وهذه . فإن قلت: فإن أريد بهؤلاء غير أولئك ، فهل يدخلون في جملة المتقين أم لا؟ . قلت: إن عطفتهم على { الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب } دخلوا وكانت صفة التقوى مشتملة على الزمرتين من مؤمني أهل الكتاب وغيرهم . وإن عطفتهم على { المتقين } لم يدخلوا . وكأنه قيل: هدى للمتقين ، وهدى للذين يؤمنون بما أنزل إليك . فإن قلت: قوله: { بِمَاأُنزِلََ إِلَيْكَ } إن عنى به القرآن بأسره والشريعة عن آخرها ، فلم يكن ذلك منزلًا وقت إيمانهم ، فكيف قيل أنزل بلفظ المضيّ؟ وإن أريد المقدار الذي سبق إنزاله وقت إيمانهم فهو إيمان ببعض المنزل واشتمال الإيمان على الجميع سالفه ومترقبه واجب . قلت: المراد المنزل كله وإنما عبر عنه بلفظ المضيّ وإن كان بعضه مترقبًا ، تغليبًا للموجود على ما لم يوجد ، كما يغلب المتكلم على المخاطب ، والمخاطب على الغائب فيقال: أنا وأنت فعلنا ، وأنت وزيد تفعلان . ولأنه إذا كان بعضه نازلًا وبعضه منتظر النزول جعل كأن كله قد نزل وانتهى نزوله ، ويدل عليه قوله تعالى: { إِنَّا سَمِعْنَا كتابا أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى } [ الأحقاف: 30 ] ولم يسمعوا جميع الكتاب ، ولا كان كله منزلًا ، ولكن سبيله سبيل ما ذكرنا . ونظيره قولك: كل ما خطب به فلان فهو فصيح ، وما تكلم بشيء إلا وهو نادر . ولا تريد بهذا الماضي منه فحسب دون الآتي ، لكونه معقودًا بعضه ببعض ، ومربوطًا آتيه بماضيه . وقرأ يزيد بن قطيب { بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } على لفظ ما سمي فاعله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت