فهرس الكتاب

الصفحة 932 من 3341

{ أَنفَقُواْ } يعني في سبيل الله ووجوه البر { طَوْعًا أَوْ كَرْهًا } نصب على الحال ، أي طائعين أو مكرهين . فإن قلت: كيف أمرهم بالإنفاق ثم قال: { لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ } ؟ قلت: هو أمر في معنى الخبر ، كقوله تبارك وتعالى: { قُلْ مَن كَانَ فِى الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدًّا } [ مريم: 75 ] ومعناه: لن يتقبل منكم أنفقتم طوعًا أو كرهًا . ونحوه قوله تعالى: { استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } [ التوبة: 80 ] وقوله:

أَسِيئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لاَ مَلُومَةً ... أي لن يغفر الله لهم ، استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ، ولا نلومك - أسأت إلينا أم أحسنت . فإن قلت: متى يجوز نحو هذا؟ قلت: إذا دلّ الكلام عليه كما جاز عكسه في قولك: رحم الله زيدًا وغفر له ، فإن قلت: لم فعل ذلك؟ قلت: لنكتة فيه ، وهي أنّ كثيرًا كأنه يقول لعزة: امتحني لطف محلك عندي وقوّة محبتي لك ، وعامليني بالإساءة . والإحسان ، وانظري هل يتفاوت حالي معك مسيئة كنت أو محسنة؟ وفي معناه قول القائل:

أَخُوكَ الَّذِي إنْ قُمْتَ بِالسَّيْفِ عَامِدا ... لِتَضْرِبَهُ لَمْ يَسْتَفِثَّكَ فِي الْوُدِّ

وكذلك المعنى: أنفقوا وانظروا هل يتقبل منكم؟ واستغفر لهم أو لا تستغفر لهم ، وانظر هل ترى اختلافًا بين حال الاستغفار وتركه؟ فإن قلت: ما الغرض في نفي التقبل؟ أهو ترك رسول الله A تقبله منهم وردّه عليهم ما يبذلون منه؟ أم هو كونه غير مقبول عند الله تعالى ذاهبًا هباء لا ثواب له؟ قلت: يحتمل الأمرين جميعًا . وقوله: { طَوْعًا أَوْ كَرْهًا } معناه طائعين من غير إلزام من الله ورسوله ، أو ملزمين . وسمي الإلزام إكراهًا ، لأنهم منافقون ، فكان إلزامهم الإنفاق شاقًا عليهم كالإكراه . أو طائعين من غير إكراه من رؤسائكم ، لأن رؤساء أهل النفاق كانوا يحملون على الإنفاق لما يرون من المصلحة فيه ، أو مكرهين من جهتهم . وروي: أنها نزلت في الجدّ بن قيس حين تخلف عن غزوة تبوك وقال لرسول الله A: هذا مالي أعينك به فاتركني { إِنَّكُمْ } تعليل لردّ إنفاقهم . والمراد بالفسق: التمرّد والعتو .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت