فهرس الكتاب

الصفحة 2840 من 3341

هو فتح مكة ، وقد نزلت مرجع رسول الله A عن مكة عام الحديبية عدة له بالفتح ، وجيء به على لفظ الماضي على عادة ربّ العزة سبحانه في أخباره؛ لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة ، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخْبِر ما لا يخفى . فإن قلت: كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟ قلت: لم يجعل علة للمغفرة ، ولكن لاجتماع ما عدّد من الأمور الأربعة: وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز ، كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة ، ونصرناك على عدوّك ، لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل . ويجوز أن يكون فتح مكة - من حيث إنه جهاد للعدوّ - سببًا للغفران والثواب والفتح والظفر بالبلد عنوة أو صلحًا بحرب أو بغير حرب ، لأنه منغلق ما لم يظفر به ، فإذا ظفر به وحصل في اليد فقد فتح . وقيل: هو فتح الحديبية ، ولم يكن فيه قتال شديد ، ولكن ترام بين القوم بسهام وحجارة . وعن ابن عباس Bه: رموا المشركين حتى أدخلوهم ديارهم . وعن الكلبي: ظهروا عليهم حتى سألوا الصلح . فإن قلت: كيف يكون فتحًا وقد أحصروا فنحروا وحلقوا بالحديبية؟ قلت: كان ذلك قبل الهدنة ، فلما طلبوها وتمت كان فتحًا مبينًا . وعن موسى بن عقبة:

( 1041 ) أقبل رسول الله A من الحديبية راجعًا ، فقال رجل من أصحابه: ما هذا بفتح ، لقد صدّونا عن البيت وصد هدينا ، فبلغ النبي A فقال: « بئس الكلام هذا ، بل هو أعظم الفتوح ، وقد رضى المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح ، ويسألوكم القضية ، ويرغبوا إليكم في الأمان ، وقد رأوا منكم ما كرهوا » ، وعن الشعبي:

( 1042 ) نزلت بالحديبية وأصاب رسول الله A في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة أصاب: أن بويع بيعة الرضوان ، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر ، وظهرت الروم على فارس؛ وبلغ الهدى محله ، وأطعموا نخل خيبر ، وكان في فتح الحديبية آية عظيمة . وذلك أنه نزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة ، فتمضمض رسول الله A ثم مجه فيها ، فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه . وقيل: فجاش الماء حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها بعد - وقيل: هو فتح خيبر ، وقيل: فتح الروم . وقيل: فتح الله له بالإسلام والنبوّة والدعوة بالحجة والسيف ، ولا فتح أبين منه وأعظم ، وهو رأس الفتوح كلها ، إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا وهو تحته ومتشعب منه . وقيل: معناه قضينا لك قضاء بينًا على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل؛ لتطوفوا بالبيت: من الفتاحة وهي الحكومة ، وكذا عن قتادة { مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } يريد: جميع ما فرط منك . وعن مقاتل: ما تقدم في الجاهلية وما بعدها . وقيل: ما تقدم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد { نَصْرًا عَزِيزًا } فيه عز ومنعة - أو وصف بصفة المنصور إسنادًا مجازيًا أو عزيزًا صاحبه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت