فهرس الكتاب

الصفحة 3185 من 3341

{ رَهِينَةٌ } ليست بتأنيث رهين في قوله: { كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ } [ الطور: 21 ] ، لتأنيث النفس؛ لأنه لو قصدت الصفة لقيل: رهين؛ لأنّ فعيلًا بمعنى مفعول يستوى فيه المذكر والمؤنث ، وإنما هي اسم بمعنى الرهن ، كالشتيمة بمعنى الشتم ، كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن ، ومنه بيت الحماسة:

أبَعْدَ الَّذيِ بِالنَّعْفِ نَعْفِ كُوَيكِبٍ ... رَهِينَةِ رَمْس ذِي تُرَابٍ وَجَنْدَلِ

كأنه قال: رهن رمس . والمعنى: كل نفس رهن بكسبها عند بكسبها عند الله غير مفكوك { إِلاَّ أصحاب اليمين } فإنهم فكوا عنه رقابهم بما أطابوه من كسبهم ، كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق . وعن علي Bه أنه فسر أصحاب اليمين بالأطفال ، لأنهم لا أعمال لهم يرتهنون بها . وعن ابن عباس Bه: هم الملائكة { فِى جنات } أي هم في جنات لا يكتنه وصفها { يَتَسَاءلُونَ عَنِ المجرمين } يسأل بعضهم بعضًا عنهم . أو يتساءلون غيرهم عنهم ، كقولك: دعوته وتداعيناه . فإن قلت: كيف طابق قوله { مَا سَلَكَكُمْ } وهو سؤال للمجرمين: قوله: { يَتَسَاءلُونَ عَنِ المجرمين } وهو سؤال عنهم؟ وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين ماسلككم قلت: ماسلككم ليس ببيان للتساؤل عنهم ، وإنما هو حكاية قول المسؤولين عنهم؛ لأنّ المسؤلين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين ، فيقولون: قلنا لهم { ماسلككم فِى سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين } إلا أن الكلام جيء به على الحذف والاختصار ، كما هو نهج التنزيل في غرابة نظمه الخوض: الشروع في الباطل وما لا ينبغي فإن قلت: لم يسألونهم وهم عالمون بذلك قلت: توبيخا لهم وتحسيرًا ، وليكون حكاية الله ذلك في كتابه تذكرة للسامعين . وقد عضد بعضهم تفسير أصحاب اليمين بالأطفال: أنهم إنما سألوهم لأنهم ولدان لا يعرفون موجب دخول النار . فإن قلت: أيريدون أنّ كل واحد منهم بمجموع هذه الأربع دخل النار ، أم دخلها بعضهم بهذه وبعضهم بهذه؟ قلت: يحتمل الأمرين جميعًا . فإن قلت: لم أخر التكذيب وهو أعظمها؟ قلت: أرادوا أنهم بعد ذلك كله كانوا مكذبين بيوم الدين تعظيمًا للتكذيب . كقوله { ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ } [ البلد: 17 ] ، و { اليقين } الموت ومقدماته ، أي: لو شفع لهم الشافعون جميعًا من الملائكة والنبيين وغيرهم؛ لم تنفعهم شفاعتهم: لأنّ الشفاعة لمن ارتضاه الله وهم مسخوط عليهم . وفيه دليل على أنّ الشفاعة تنفع يومئذ؛ لأنها تزيد في درجات المرتضين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت