فهرس الكتاب

الصفحة 1638 من 3341

لما أمره بالذهاب إلى فروعون الطاغي لعنه الله عرف أنه كلف أمرًا عظيمًا وخطبًا جسيمًا يحتاج معه إلى احتمال ما لا يحتمله إلا ذو جأش رابط وصدر فسيح ، فاستوهب ربه أن يشرح صدره ويفسح قلبه ، ويجعله حليمًا حمولًا يستقبل ما عسى يرد عليه من الشدائد التي يذهب معها صبر الصابر بجميل الصبر وحسن الثبات ، وأن يسهل عليه في الجملة أمره الذي هو خلافة الله في أرضه وما يصحبها من مزاولة معاظم الشؤون ومقاساة جلائل الخطوب . فإن قلت: { لِى } في قوله: { اشرح لِى صَدْرِى وَيَسِّرْ لى أَمْرِى ( 26 ) } ما جدواه والكلام بدونه مستتب؟ قلت: قد أبهم الكلام أولًا فقيل: اشرح لي ويسر لي ، فعلم أن ثم مشروحًا وميسرًا ، ثم بين ورفع الإبهام بذكرهما ، فكان آكد لطلب الشرح والتيسير لصدره وأمره ، من أن يقول: اشرح صدري ويسر أمري على الإيضاح الساذج ، لأنه تكرير للمعنى الواحد من طريقي الإجمال والتفصيل . عن ابن عباس: كان في لسانه رتة لما روي من حديث الجمرة ويروي: أن يده احترقت ، وأن فرعون اجتهد في علاجها فلم تبرأ ، ولما دعاه قال: إلى أي رب تدعوني؟ قال: إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنها . وعن بعضهم: إنما لم تبرأ يده لئلا يدخلها مع فرعون في قصعة واحدة فتنعقد بينهما حرمة المواكلة . واختلف في زوال العقدة بكمالها فقيل: ذهب بعضها وبقي بعضها ، لقوله تعالى: { وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَانًا } [ القصص: 34 ] وقوله تعالى: { وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } [ الزخرف: 52 ] وكان في لسان الحسين بن علي Bهما رتة فقال رسول الله A: ( 685 ) « ورثَها منْ عمِهِ مِوسَى » وقيل: زالت بكمالها لقوله تعالى: { قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى } [ طه: 36 ] وفي تنكير العقدة - وإن لم يقل عقدة لساني -: أنه طلب حلّ بعضها إرادة أن يفهم عنه فهمًا جيدًا ، ولم يطلب الفصاحة الكاملة ، و { مِّن لِّسَانِى } صفة للعقدة كأنه قيل: عقدة من عقد لساني .

{ واجعل لي وزيرًا من أهلي هارون أخي } الوزير من الوزر ، لأنه يتجمل عن الملك أوزاره ومؤنه . أو من الوزر ، لأن الملك يعتصم برأيه ويلجيء إليه [ في ] أموره . أو من المؤازرة وهي المعاونة . عن الأصمعي قال: وكان القياس أزيرًا ، فقلبت الهمزة إلى الواو ، ووجه قلبها أنّ فعيلًا جاء في معنى مفاعل مجيئًا صالحًا ، كقولهم: عشير وجليس وقعيد وخليل وصديق ونديم ، فلما قلبت في أخيه قلبت فيه وحمل الشيء على نظيره ليس بعزيز ، ونظرًا إلى يوازر وأخواته ، وإلى الموازرة . { وَزِيرًا } و { هارون } مفعولًا قوله { واجعل } قدم ثانيهما على أولهما عناية بأمر الوزارة . أو { لّى وَزِيرًا } مفعولاه ، وهارون عطف بيان للوزير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت