فهرس الكتاب

الصفحة 3280 من 3341

{ الغاشية } الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وتلبسهم أهوالها . يعني القيامة ، من قوله: { يَوْمَ يغشاهم العذاب } [ العنكبوت: 55 ] ، وقيل: النار ، من قوله: { وتغشى وُجُوهَهُمْ النار } [ إبراهيم: 50 ] ، { وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } [ الأعراف: 41 ] ، { يَوْمَئِذٍ } يوم إذ غشيت { خاشعة } ذليلة { عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ } تعمل في النار عملًا تتعب فيه ، وهو جرها السلاسل والأغلال ، وخوضها في النار كما تخوض الإبل في الوحل ، وارتقاؤها دائبة في صعود من نار ، وهبوطها في حدور منها . وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء والتذت بها وتنعمت ، فهي في نصب منها في الآخرة ، وقيل: عملت ونصبت في أعمال لا تجدي عليها في الآخرة . من قوله { وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ } [ الفرقان: 23 ] . { وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } [ الكهف: 104 ] ، { أُولَئِكَ الذين حَبِطَتْ أعمالهم } [ آل عمران: 22 ] ، وقيل: هم أصحاب الصوامع ، ومعناه: أنها خشعت لله وعملت ونصبت في أعمالها من الصوم الدائب ، والتهجد الواصب وقرىء «عاملة ناصبة» على الشتم . قرىء «تصلى» بفتح التاء . وتصلى بضمها . وتصلى بالتشديد . وقيل: المصلى عند العرب: أن يحفروا حفيرًا فيجمعوا فيه جمرًا كثيرًا ، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه ، فأما ما يشوى فوق الجمر أو على المقلى أو في التنور ، فلا يسمى مصليًا { ءانِيَةٍ } متناهية في الحرّ ، كقوله: { وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءانٍ } [ الرحمن: 44 ] الضريع يبيس الشبرق ، وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطبًا ، فإذا يبس تحامته الإبل وهو سم قاتل قال أبو ذؤيب:

رَعَى الشِّبْرِقَ الرَّيَّانَ حَتَّى إذَا ذَوَى ... وَعَادَ ضَرِيعًا بَانَ عَنْهُ النَّحَائِصُ

وقال:

وَحُبِسَ فِي هَزْمِ الضِّرِيعِ فَكُلْهَا ... حَدْبَاءُ دَامِيَةُ الْيَدَيْنِ حَرُودُ

فإن قلت: كيف قيل { لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ } وفي الحاقة { ولا طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ } [ الحاقة: 36 ] قلت: العذاب ألوان ، والمعذبون طبقات؛ فمنهم أكلة الزقوم ومنهم أكلة الغسلين ، ومنهم أكلة الضريع: لكل باب منهم جزء مقسوم { لاَّ يُسْمِنُ } مرفوع المحل أو مجروره على وصف طعام . أو ضريع ، يعني: أنّ طعامهم من شيء ليس من مطاعم الإنس ، وإنما هو شوك والشوك مما ترعاه الإبل وتتولع به . وهذا نوع منه تنفر عنه ولا تقربه . ومنفعتا الغذاء منتفيتان عنه: وهما إماطة الجوع ، وإفادة القوّة والسمن في البدن . أو أريد: أن لا طعام لهم أصلًا: لأن الضريع ليس بطعام للبهائم فضلًا عن الإنس؛ لأن الطعام ما أشبع أو أسمن ، وهو منهما بمعزل كما تقول ليس لفلان ظل إلا الشمس ، تريد: نفي الظل على التوكيد . وقيل: قالت كفار قريش: إن الضريع لتسمن عليه إبلنا فنزلت { لاَّ يُسْمِنُ } فلا يخلوا إما أن يتكذبوا ويتعنتوا بذلك وهو الظاهر ، فيردّ قولهم بنفي السمن والشبع . وإما أن يصدقوا فيكون المعنى: أن طعامهم من ضريع ليس من جنس ضريعكم ، إنما هو من ضريع غير مسمن ولا مغن من جوع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت