فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 3341

{ وَجْهَ النهار } أوّله . قال:

مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مَالِكٍ ... فَلْيَأْتِ نِسْوتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ

والمعنى: أظهروا الإيمان بما أنزل على المسلمين في أوّل النهار { واكفروا } به في آخره لعلهم يشكون في دينهم ويقولون: ما رجعوا وهم أهل كتاب وعلم إلا لأمر قد تبين لهم فيرجعون برجوعكم . وقيل: تواطأ اثنا عشر من أحبار يهود خيبر ، وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أوّل النهار من غير اعتقاد ، واكفروا به آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمدًا ليس بذلك المنعوت وظهر لنا كذبه وبطلان دينه فإذا فعلتم ذلك شكّ أصحابه في دينهم . وقيل: هذا في شأن القبلة لما صرفت إلى الكعبة قال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة وصلوا إليها في أوّل النهار ، ثم اكفروا به في آخره وصلوا إلى الصخرة ، ولعلهم يقولون: هم أعلم منا وقد رجعوا فيرجعون { وَلاَ تُؤْمِنُواْ } متعلق بقوله: { أَن يؤتى أَحَدٌ } وما بينهما اعتراض . أي: ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم . أرادوا: أسرّوا تصديقكم بأنّ المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ، ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتًا ، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ } عطف على أن يؤتى والضمير في يحاجوكم لأحد لأنه في معنى الجمع ، بمعنى: ولا تؤمنوا لغير أتباعكم ، أنّ المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله تعالى بالحجة . فإن قلت: فما معنى الاعتراض؟ قلت: معناه أنّ الهدى هدى الله ، من شاء أن يلطف به حتى يسلم ، أو يزيد ثباته على الإسلام ، كان ذلك ، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين ، وكذلك قوله تعالى: { قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ } يريد الهداية والتوفيق . أو يتمَّ الكلام عند قوله: { إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } على معنى: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن تبع دينكم: إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم ، ولأن إسلامهم كان أغيظ لهم . وقوله: { أَن يؤتى } معناه لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتموه ، لا لشيء آخر ، يعني أن ما بكم من الحسد والبغي . أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم ، والدليل عليه قراءة ابن كثير: أأن يؤتى أحد بزيادة همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ ، بمعنى: إلا أن يؤتى أحد . فإن قلت: فما معنى قوله: { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ } على هذا؟ قلت: معناه دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولما يتصل به عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم . ويجوز أن يكون { هُدَى الله } بدلًا من الهدى ، و { أَن يؤتى أَحَدٌ } خبر إن ، على معنى: قل إن هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم حتى يحاجوكم عند ربكم فيقرعوا باطلكم بحقهم ويدحضوا حجتكم . وقرىء: «إن يؤتى أحد» . على إن النافية ، وهو متصل بكلام أهل الكتاب . أي ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم وقولوا لهم: ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم حتى يحاجوكم عند ربكم ، يعني ما يؤتون مثله فلا يحاجونكم ، ويجوز أن ينتصب { أَن يؤتى } بفعل مضمر يدل عليه قوله: { وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } كأنه قيل: قل إن الهدى هدى الله ، فلا تنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ لأن قولهم { وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } إنكار لأن يؤتى أحد مثل ما أوتوا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت