فهرس الكتاب

الصفحة 2068 من 3341

قيل: هو واد بالشام كثير النمل . فإن قلت: لم عدّي { أَتَوْا } بعلى؟ قلت: يتوجه على معنيين أحدهما؛ أن إتيانهم كان من فوق ، فأتى بحرف الاستعلاء ، كما قال أبو الطيب:

وَلَشُدَّ مَا قَرُبَتْ عَلَيْكَ الأَنْجُمُ ... لما كان قربًا من فوق . والثاني: أن يراد قطع الوادي وبلوغ آخره ، من قولهم: أتى على الشيء إذا أنفذه وبلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي ، لأنهم ما دامت الريح تحملهم في الهواء لا يخاف حطمهم . وقرىء «نُمُلة يا أيها النمل» ، بضم الميم وبضم النون والميم ، وكان الأصل: النمل ، بوزن الرجل ، والنمل الذي عليه الاستعمال: تخفيف عنه ، كقولهم: «السبع» في السبع . قيل: كانت تمشي وهي عرجاء تتكاوس ، فنادت: { ياأيها النمل } : الآية ، فسمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال . وقيل: كان اسمها طاخية . وعن قتادة أنه دخل الكوفة فالتف عليه الناس ، فقال: سلوا عما شئتم ، وكان أبو حنيفة C حاضرًا - وهو غلام حدث - . فقال: سلوه عن نملة سليمان ، أكانت ذكرًا أم أنثى؟ فسألوه فأفحم ، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى ، فقيل له: من أين عرفت؟ قال: من كتاب الله ، وهو قوله: { قَالَتْ نَمْلَةٌ } ولو كانت ذكرًا لقال: قال نملة . وذلك أنّ النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى ، فيميز بينهما بعلامة ، نحو قولهم: حمامة ذكر ، وحمامة أنثى ، وهو وهي . وقرىء: «مسكنكم ولا يحطمنكم» بتخفيف النون ، وقرىء: «لا يحطمنكم» بفتح الحاء وكسرها . وأصله: يحتطمنكم . ولما جعلها قائلة والنمل مقولًا لهم كما يكون في أولي العقل: أجرى خطابهم مجرى خطابهم . فإن قتل: لا يحطمنكم ما هو؟ قلت: يحتمل أن يكون جوابًا للأمر ، وأن يكون نهيًا بدلًا من الأمر ، والذي جوّز أن يكون بدلًا منه: أنه في معنى: لا تكونوا حيث أنتم فيحطمكم ، على طريقة: لا أرينك ههنا ، أراد: لا يحطمنكم جنود سليمان ، فجاء بما هو أبلغ ، ونحوه: عجبت من نفسي ومن إشفاقها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت